فالذين - مثلا - قبضوا أرباحا من الدولة منذ عدّة كثيرة من السنين ، سيتخلون عن نصف أصول الديون والّذين لم يقبضوا إلّا منذ سنوات خلون ، يضحون بثلثها ، والّذين لا تزال سهامهم جديدة غير مستربحة ، يتركون ربعها . ولما كان جميع دائني الدولة ومقرضيها أغنياء ويملكون ، فوق دخلهم ، نقودا وبضاعات ودورا وأرضين لم يكن شك في أنّهم ، إن أيقنوا بوقوع خطر ثورة ، يوافقون في الحال على التضحية ، وبهذه الوسيلة ، تصيّر الدولة في يوم واحد ديون الشعب إلى نصفها ، ثمّ يقطع المجلس كل صرف غير مفيد ، ويستعمل ما يفضل من خراج الدولة في تسديد ما بقي من الديون عليها ، وسيسدّد الباقي في مدة عشرين سنة أو ثلاثين ، وستكون الدولة قادرة على إلغاء قسم من الضرائب الباهظة ، وسترخص البضاعات والغلات ويستسعد الشعب ويشكر لدولته فضلها .
مساوئ الإنكليز
يجب عليّ الآن أن أقوم بالأمر الّذي كلفتنيه السيّدة « سبنسر » فقد أمرتني هذه السيدة أن أعرض رذائل الإنكليز الّتي صدمتني أكثر من غيرها من رذائلهم وخاصة ما شهدته منها في لندن ، ففيها تهيأ لي من الفرص ما أعانني على دراسة أخلاق هذا الشعب .
فالعيب الأوّل الّذي لحظته من الإنكليز هو قلّة دينهم وميلهم إلى الكفر « 1 » وهذا العيب في مبادئ سيرتهم الاجتماعية جدّ ظاهر متوافر بين أفراد الشعب ، الخليين من كل شعور بالحياء ومن الصلاح . صحيح أنّهم يتجنبون حاق التجنب خرق القوانين ، خوفا من أن يعاقبوا ولكنّهم إن يجدوا فرصة ارتكاب شيء من غير أن يعرّضوا أنفسهم لفضيحة يعرفوا كيف يستفيدون من ذلك الارتكاب ، فهم يحاولون دائما أن يسلبوا الأغنياء ما عندهم ، فيضطروهم بسبب ذلك إلى إغلاق أبوابهم إغلاقا مستداما ، وفي هذه الأيّام يعود الفضل
هامش
( 1 ) قال مصطفى جواد : هذا تطفل في النقد من أبي طالب الرحالة ، فلو كان مبشرا بالنصرانية الإنكليزية لقلنا له الحق في ذلك ، أمّا أنّهم لا يؤمنون بدينهم فذلك ناشئ عن حقيقة دينهم أوّلا وعن أسباب كفرهم به ثانيا .