الآتي يمكن أن يصور الدم البارد في هذا الشعب : حكى لي اللورد « تينماوث » أنّه في رجوعه من الهند إلى بلاده ، عندما كان في مستوى الكاب وبون اسبيرنس سقطت الصاعقة على الصاري الأكبر لسفينته والتهبت النّار في الحال في أشرعة السفينة وقلوسها « 1 » وقبل أن يستطاع إطفاؤها كان الصاري قد أكلت عامّته النّار ، ومع ذلك فالملاحون ، اجتهدوا بفعاليتهم وبراعتهم معا أن لا تصيب ألسنة النّار الأشرعة الأخرى ، وأجزاء السفينة السالمة ، جرى كل ذلك بهدوء بحيث لم يلحظ اللورد « تينماوث » الحريق وكان في حجرته مع أسرته إلّا حينما صعد ظهر السفينة .
وفي الحرب الأخيرة كان قيصر روسيا وملك بروسيا وملك الدانمارك وملك السويد غاضبين على الإنكليز لأنّهم كانوا يزعجون سفنهم ، بحجّة أنّها كانت تحمل بضاعة فرنسية وصمّموا باتفاق عام بينهم أن يعاقبوا البحرية البريطانية إن استمرت على هذا الأسلوب ، فاستولوا على جميع السفن التجارية البريطانية ، الّتي كانت في موانيهم ومنعوا منعا واضحا إصدار بضاعة من بلادهم ، ولما بلغ الإنكليز هذا الخبر ، كان الارتعاب فيهم عاما شاملا ولكن الحكومة لم تظهر خوفا كائنا ما كان ، وإنّما أمرت اللورد « نلسن » بالتطويف في البحر الشمالي في خمسين سفينة بحرية بمسامتة السواحل لدول هؤلاء الملوك والاستيلاء على جميع سفنهم الّتي يلاقيها أو إحراقها أو إغراقها للانتقام والثأر بما أهينت به البحرية البريطانية . فصعد اللورد « نيلسون » إذن مع أسطوله حتّى مدخل بحر البلطيق ، فقاومته الحاميتان اللتان في الحصنين اللذين يحميان ساحل الدانمارك وساحل النرويج ، والسفن الكبيرة الّتي كانت قريبة من الساحل مقاومة عنيفة ولكن الإنكليز اعتنفوا أخيرا المرور ، وساقوا سفنهم إلى مقابل « كوبنهاك » عاصمة الدانمارك وهناك أرسوها . وإذ ذاك أخذوا في رمي المدينة والميناء بالمدافع ، فلم يذعن لهم رجال المكس ، ولم تنكل مهارتهم ولا شجاعتهم ، وكان الظفر وقتا طويلا مشكوكا فيه وفقد الإنكليز « ستة آلاف رجل » وأصيبت عدّة سفن من سفنهم بأضرار شديدة ، ولكنّه مع ذلك كانت عاقبة
هامش
( 1 ) القلوس جمع القلس وهو حبل السفينة الغليظ . ( المترجم ) .