تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
الهالك هنالك ، واللحاق بقرطبة مسرعا ، والسباق إليها قبل أن لا يجد موضعا ، فقال : هيهات أن أتدنّس بهذه الدنيّة ، وأتلبّس بقبح هذه المزية ، ثم سار ومعه جثّة أخيه على أتانه ، واستقام أمره على هناته ، ودخل قرطبة وصلى [ ص 322 ] على أخيه بها ، وأودع ذهبه المكنوز في تربها ، ودفنه في القصر بالروضة مقبرة الخلائف ، ومأثرة تلك اللطائف ، ثم بويع البيعة التي استقامت له على ظلعها ، واستدامت على ولعها ، وأخذ في حسم أدواء الخلاف ، وحصد رؤوس منهم أينعت لقطاف « 1 » ، وكان أمر الفتنة قد استحكم واستفحل داؤه فلم ، يحسم ، وكثرت على مثل أولئك وأشباههم ، وكبرت منها كلمة تخرج من أفواههم ، فأعيا سقمها الطبيب المداوي وأعدى فيها ذا الرشد الغاوي ، ويتيح لها في كل نائحة نائح ، إلا أنه العاوي ، ونضنض أفعى « 2 » ، إلا أنه مما لا يدخل في سلة الحاوي . وذكر صاحب المقتبس عن الرازي عن أبيه قال : كانوا يعدون عبد الله من أصلح خلفاء بني أمية بالأندلس ، وأمثلهم طريقة ، وأتمهم معرفة ، وأمتنهم ديانة ، كان يتهجد بالليل ، ويقوم ليالي شهر رمضان بالنافلة مع الأئمة المرتبين لها بالمسجد الجامع ، وكانت نيته في ذلك نية المخبت « 3 » الورع الراغب في الخير . حكي عن بعض الفتيان الخاصة أنه كان كثير التلاوة للقرآن ، متأثرا على درسه ، محبا لمن حفظه ، قال : وكان لا يقدم أمرا ولا يؤخره ، إلا عن مشورة أهل العلم والفقه . قال أبو صالح أيوب بن سليمان : أنه كان متصرفا في فنون العلم ، محققا للسان العرب ، بصيرا بلغاتها وأيامها ، حافظا للغريب ، آخذا من الشعر
هامش
( 1 ) يقتبس هنا قول الحجاج في تهديد أهل العراق : إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها ، وإني لصاحبها ، جمهرة خطب العرب 2 / 289 . ( 2 ) نضنض : استخرجه شيئا فشيئا . ( 3 ) المخبت : الخاشع الورع .