تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
وقد [ ص 323 ] ضعفت الخلافة ببغداد ، ووهت قواها ، ووهنت الدولة العباسية ، حتى طمع فيها من سواها ، فابرز عبد الرحمن ما عنده وباح ، ومال علوه وكشف الغطاء واستراح ، وأظهر التسمية بالخلافة ، وسمي بأمير المؤمنين ، وهو أول من تسمّى في الأندلس بها ، وسما بالتحلي بلقبها ، وكان رجل حزم ، ورجل عزم ، وبارق مضاء ، وسابق قضاء ، وبطل إقدام ، وعطل مقدام ، وسيف جلاد ، وطيف رعب تجنه ضمائر بلاد ، فلهذا قدح لهذا الرأي زنده ، وفتح الباب لمن جاء بعده ، ولم يكن في سباقه « 1 » من كشف هذا الغطاء ، ولا كف عن ذروة السرير هذا الامتطاء ، وإنما كان الواحد منهم ، وإن عظم شأنه ، وكرم سلطانه ، لا يزيد في التسمية على الأمير ، ولا يريد أكثر من هذا الخطاب المميز حتى اتخذها هذا الناصر عبد الرحمن عليه معلما ، وأنطق بها لسانا وقلما ، وسيرها في الآفاق كلما ، وصيرها في الأندلس شبيهة بالعراق معلما « 2 » . وقد ترجم له صاحب المقتبس وقال : ذكر الدلالة على عظم شأن الخليفة الناصر في سلطانه ، وإجرائه إلى الإيفاء على من تقدمه من الخلفاء ، وجده في جمع الأموال وبذله لها في ابتغاء دول الآمال وتوسعه في إنجاب طبقات الرجال ، وانتقائه منهم لجلة الوزراء المشاركين في الحال ، وقسره لعويص الأشياء ، وتفخيمه لصنائع البناء ، وشد الفروج دون الأعداء ، وتوقله لقلل الاعتداء ، وكان لا يهيب خطرا يركبه ، ولا يستكثر شيئا يهبه ، وبنى المباني العجيبة ، والمنارة البديعة ، وشيد الخلافة بقرطبة ، وعمل الناعورة « 3 » المحكمة الصنعة المضروب بها المثل ، والبيضاء والزهراء وغير ذلك مما ذكره ، وفي ميزة هذه الناعورة قال أبو نهمان
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، ولعلها من سبقه . ( 2 ) في الأصل : مثلما ، ولا معنى لها . ( 3 ) الناعورة : دولاب ذو دلاء أو نحوها يدور بدفع الماء أو جر الماشية فيخرج الماء من البئر أو النهر إلى الحقل