تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
فلو ملّك الله الرعية عمرها * لكان له من ذلك العمر الشطر [ ص 319 ]
إذا ذخر الأملاك مالا فما له * سوى المجد فالمعروف كنز ولا ذخر
مهيب إذا أبصرت غرّة وجهه * تكاد له من هيبة يصدع الصدر
وكان كثير الخروج إلى الصحراء للتنزه في نواحيها ، والتوسع في سعة ضواحيها ، وكان معجبا بدربد وهو مكان قتلى أشبيلية ، مرج أخضر كأنه زمرد شارب ، ونهر يتكسر ماؤه كأنه عسل ممزوج لشارب ، فابتنى به أبنية رفيعة ، إلا أنها خيام ، وقرّض هناك قراره إلا أنه هيام ، فقال الوزير تمام بن أحمد : [ الطويل ]
لعمري لما يوم من الدهر كله * بأنعم من يوم حللنا بدربد
لدن روضة خضراء ما أن تخالها * لعمرك إلا معدنا للزمرد
ودام في بلهنية من الملك إلى أن ثارت إليه الثواير ، ودارت عليه الدواير ، وسار إلى مغالبته كل ساير ، وطار لمواثبته في البر والبحر كل طاير ، ولم يكفه انفتاق الفتوق ، وانبثاق البثوق ، واختلاف كلمة أهل ملكه ، حتى قصدته ملوك الكفار ، وأجهدته بالنهود إلى الأسفار ، وما رمي بأهل الصليب على انفرادهم ، حتى مني بالمجوس من أقصى بلادهم ، وكان في هذه النوائب تارة وتارة ، ومرة ومرة ، آونة حلاوة ، وآونة مرارة ، وفي بعض غزواته التي أثخن فيها في أهل الخلاف ، وأمعن في زيادة الاختلاف ، قال مؤمن بن سعيد : [ البسيط ]
دع اللّهى يفنها محمدها * أسنى بني غالب وأمجدها
أشياع لب سنابل خشعت * أعناقها فالسيوف تحصدها
دانوا له وهو وارد بهم * حياض حتف يعاف موردها