تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
لا يبرح يحبوه من الشكر بعاطره ، ويجلوه في حلل أغنته عنها فطره ، هذا مع استقلال بجنوده ، صاب نوؤه وأصاب سدد الظلام ضوؤه . قال الرازي : عبد الرحمن بن الحكم ، أول من فخّم الملك بالأندلس من خلفاء بني مروان ، وكساه أبهة الجلالة للأعمال ، واستوزر الأكفاء ، فعظم شأنه ، وكاتبته ملوك البلاد ، ثم شيّد القصور ، واتخذ المصانع وجلب الماء . وحكى معاوية بن هشام : أنه كان يتشبه بالوليد بن عبد الملك في شرف نفسه ، وعلاء همّته ، وفخامة سلطانه ، ودعة أيامه ، وما شاد من البناء ، وشق من الأنهار ، وغرس من الأشجار ، وزاد في المسجد الجامع ، وفيه قال عبد الله بن الشمر : [ الطويل ]
بنى مسجدا لم يبن في الأرض مثله * وهل مثله في حوزة الأرض مسجد [ ص 317 ]
له عمد حمر وخضر كأنّما * تلوح يواقيت بها وزبرجد
قال الرازي : وفي أيامه أحدث بقرطبة وغيرها من بلاد الأندلس الطرز لأنواع الكسوة والوطاء ، واستنبطت فيها الأعمال ، وتدرج فيها إلى التجويد في ذلك ، وقال الرازي : وفيها اتخذت بقرطبة السكة ، وقام فيها ضرب الدراهم ، ولم يكن فيها دار ضرب منذ فتحها العرب ، وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق . قلت : وهذا أوان صارت الأندلس مصرا ، وصارت تعد بستانا ، وقصرا بعد أن مضت برهة من الدهر لا يوصف إلا بأنه يصفق في جنباتها النهر . وكان عبد الرحمن أشم أقنى أسود العينين طوالا ضخما مسبلا عظيم اللحية .