تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
الحكم أشبه في حكمته بالمأمون ، وفي حرمته هارون ، وتطلّب الكتب القديمة ، وتطبّب بها من عدوى الأفهام السقيمة ، وطالع كتب الأوائل ، وطالب بإقامة الدلائل ، وبعث إلى العراق في طلب الكتب الحكمية ، وغالى في أثمانها ، ووالى في ذخائر البيوت استخرج جمانها رغبة في إقامة براهينها وإدامة الوقوف على قوانينها ، حتى نأى بها إلى الأندلس عن أوطانها ، ورأى بالعقل أنه لا ينفذ إلا بسلطانها ، فغلب بحججها القاطعة وبلغ الغاية بأنوارها الساطعة . وكان هو أول من أدخل الحكمة ، ويثها في أقطارها ، ومد إليها بعثها حتى جاس خلال ديارها ، فأعاد عصر الأوائل جديدا ، وعصر الفضائل زاد ضحى قريبا بعيدا ، بل زاد حتى سطا بأرسطاطاليس ، وفلّ أفلاطون بجيش لا يفله الخميس ، فما جاء معه أبقراط بقيراط ، وبطل بطليموس فيما أحاط به علما ومالا أحاط ، فذكت قريحته ، وزكت صبيحته ، وكان أبوه الحكم لما سمع كلامه في هذه الدقائق ، وعرف مرامه في معرفة هذه الحقائق ، يتضاعف به سروره ، ويتماثل لديه أموره ، ولهذا انتعش لديه حظه من خاطره ، وجاد أفقه صوب ماطره ، فكان
هامش
- طليطلة ( وكان أبوه واليا عليها قبل ولايته الملك ) ، بويع بقرطبة سنة 206 ه بعد وفاة أبيه ، وهو أول من جرى على سنن الخلفاء في الزينة والشكل وترتيب الخدمة ، وكسا الخلافة أبهة الجلالة ، فشيد القصور ، وجلب الماء العذب إلى قرطبة ، وبنى مصنعا كبيرا يرتاده الناس ، وبنى الرصيف وعمل عليه السقائف ، وبنى المساجد في الأندلس ، ومنها جامع أشبيلية وسورها ، وعمل السقاية على الرصيف ، واتخذ السكة ( النقود ) بقرطبة ، وضرب الدراهم باسمه ولم يكن ذلك فيها مذ فتحها العرب ، ونظم الجيش واستكثر من الأسلحة والعدد ، واحتجب قبل موته مدة ثلاث سنوات ، لعلة أضعفت قواه ، وكانت أيامه أيام سكون وعافية ، وكثرت عنده الأموال ، وكان عالي الهمة له غزوات كثيرة ، أديبا ينظم الشعر ، مطلعا على علوم الشريعة ، يشبّه بالوليد بن عبد الملك في سياسته وتأنقه ، ومدة ولايته إحدى وثلاثون سنة وثلاثة أشهر ، ووفاته بقرطبة سنة 238 ه . ( ابن الأثير 7 / 22 ، ابن خلدون 4 / 127 ، البيان المغرب 2 / 81 ، المغرب في حلي المغرب 1 / 45 - 51 ، الحلة السيراء ص 61 ، جذوة المقتبس ص 11 ، نفح الطيب 1 / 163 )