وقد كان من آثق بني أبيه تمتعا ، حتى شمّر وأنف إخوانه تمنعا حتى تأمّر ، فلما ولي ولي بتلك الزخارف ، ولوى ورقات تلك المطارف وسئل عن مذاهب الراشدين ثم ما تعداها ، وتجلبب تلك الخلائق الطاهرة وترداها ، وأول ما بدأ به أمره أن بدّل سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
« 1 » ، وأبدل تلك السيئة بهذه الحسنة الباقية الإحسان « 2 » ، وأزال تلك السيئة ومحاها ، وأزاح ليلها الداجي بارتفاع ضحاها ، فخلصت الذمم من إرهاقها ، واستراحت المنابر مما كانت تحمله من إثم [ ص 279 ] الخطيئة في أعناقها ، وقنع بالقليل من القوت ، طلبا لحلّه ، وسببا لتخفيف حمله ، وهجر النساء منذ ولي ، وقال لزوجته : إن رضيت بهذا وإلا فاعتزلي ، ثم أمرها أن تردّ إلى بيت المال ما كان أبوها عبد الملك نحلها ، وألزم بمثل هذا سائر بني أمية واستعاد نفلها ، وقال : هذه فواضل أموال لبيت المال لا تجوز أن تحتجز ، ولا أن يؤخذ بأيديكم عبثا وتكتنز ، ولقد أعطاكموها أئمة جور ، أعطت ما لم تملك ، وأعدت بالهلاك بها ما لم تهلك ، وأخلص لله كل عمله ، وخلّا كل أمله ، وكان يبرد البريد إلى المدينة لإبلاغ سلامه لساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام ، لا لشغل آخر له غيره خاصة ، ولا لعامة الإسلام ، ودام حميدا حتى وفي وما بلغ الأربعين ، وأنشد باب الخير فلا له فاعل ولا عليه معين ، ما طالت مدت ، فما سلم حتى ودع ، ولا أومض بارقه حتى انطوى ، وكأنه لم يلمع ، دفن بخناصرة « 3 » ، وغيب الحق في ذلك الثرى ناصره ، ولم يقم بعده ملك لا إمام ،
هامش
( 1 ) النحل 90 .
( 2 ) مقصود المؤلف واضح باستبدال الحسنة بالسيئة ، وكان الصواب أن يقول : وأبدل بالسيئة الحسنة ، لأن الباء يكون مع المتروك .
( 3 ) خناصرة : بليدة من أعمال حلب ، تحاذي قنّسرين نحو البادية ، وهي قصبة كورة الأحصّ .
( ياقوت : خناصرة )