تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
الوليد مغرى بعيب الحجاج ، معنّى منه بما يكثر ريب اللجاج ، وكان ينوي إن صارت إليه نوبة الخلافة ، له نومة كل آفة ، فمات قبل ذلك الحجاج ، وفات الحجاج ، فسبقت نية سليمان فعله ، وسيفه عدله ، وكان سليمان نهما لا يشبع ، ملتهما يأكل مع اللقمة الإصبع ، حتى استأسد واستسبع ، وأكل ما طار بجناح أو مشى على أربع ، وأمه وأم الوليد ولادة بنت العباس بن جزي العبسي ، نشأ في أخواله بني عبس ، ونأى في أحواله عن اللبس ، وكان أبيض جعدا ، كاد محياّه يندى ، نظر يوما إلى المرآة وقد لبس حلة خضراء ، رفل في سندسها ، ونحل نوار الخمائل من أنواره ضوء مشمسها ، فقال : أنا الملك الفتى ، أو قال : أنا الملك الشاب ، لما داخله بالملك الإعجاب ، ومرّ في خروجه إلى مصلاه بجارية له كان بها كلفا ، وبحبها شغفا ، فلما قال لها هذا القول قالت : [ الخفيف ]
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للإنسان [ ص 274 ]
ليس فيما علمته فيك عيب * كان في الناس غير أنك فان
فتطير من قولها وتشاءم ، وراجع الفكر في هذا وداوم ، ثم أتى المنبر فخطب فأسمع ، ثم تقدم إلى المحراب ، وصوته لا يتعدى له خرق مسمع ، فعاد إلى منزله ساكنا يتوجع ، وطلب تلك الجارية كالمنكر عليها ، فأقسمت أنها لم تره ذلك اليوم أجمع ، فعلم أنه نعي ، وأنه إنما خرج ليودع ، وكان ملك حسن وإحسان ، وخليفة يمن وأمان ، ولي سنة ست وتسعين ، فجاء جميل المذهب ، كأنما أيامه الطراز المذهب ، أبقى من حسن السيرة ذكرا لا يبلى ، وأثرا لا يذهب ، ملك أمره فما شعّث ولا تشعب ، وأنصف من الظالم فأخمد سورة من تشغب ، وأخرج من الحبوس ، ونزع عن المستورين لباس البوس ، وكساهم حلل الكرامة ، وأنساهم بعدله ما مسّهم من السآمة ، ورد عنه بردهم الملامة ، وأخذ الظلامة ، وراقب الله