وكان الأمر قد كاد يتم لابن الزبير ويدوم من أجمع على خير ، ومما دان له دمشق وسائر الشام ، إلا حمص ، ولم يكونوا على نزاعه أهل حرص ، إلا أن عامل بني أمية كان بها متماسكا ، وبزمام حزبها ماسكا ، هذا مع ما كان قد اجتمع له من طاعة أهل الحجاز والعراق ، وقلة [ ص 247 ] طماعه من تظاهر له بالشقاق ، وإنما مروان قام غير متكل ، بسير ولا ضجر ولا وكل ، وعضده من ذوي قرابته ، رجال بل نصال ، لا مجال معها لانفصال ، وقامت اليمانية معه على القيسية ، وصوب كل قبيل إلى الآخر سهامه وقسيه ، وكانت اليمانية أموية ، والقيسية زهرية بلا مثنوية ، ودخل مروان دمشق ، ثم أتى تل راهط ، يحاشي حل كل رابط ، هنالك كان موعد اللقاء ، ومورد عدم البقاء ، وشبت الحرب العوان ، وشبّت بعد المشيب همّة مروان ، حتى أحرز من الملك ما ورثه بنوه بعده ، ومات وأورثه ولده ، وأمه آمنة بنت علقمة الكناني ، وأمها الزرقاء التي يعيرون بها ، وهي مارية بنت موهب الكندي ، وكان موهب قينا ، وكان مروان يسمى خيط باطل لطوله ودفّته ، شبّه بالخيط الأبيض الذي يرى في الشمس ، وكان قارئا للقرآن حازما حزما .
كان كما قلنا رأس كل هوى ، وأسّ كل بلوى ، ولما نهضت سمعة ابن الزبير ، كتب إلى عبد الله بن مطيع « 1 » ، وكان عامله على المدينة ، في نعي بني أمية ، ومروان يومئذ شيخهم ، وابنه عبد الملك ناسكهم وموضع رأيهم ، وكان بعبد
هامش
( 1 ) عبد الله بن مطيع : ابن الأسود الكعبي القرشي العدوي ، من رجال قريش جلدا وشجاعة ، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان على قريش يوم الحرة ، فلما انهزم أصحابه توارى في المدينة ، ثم سكن مكة ، استعمله ابن الزبير على الكوفة ، فأخرجه المختار بن أبي عبيد منها ، فعاد إلى مكة ، فلم يزل فيها إلى أن قتل مع ابن الزبير في حصار الحجاج ، وأرسل رأسه إلى الشام مع رأسي ابن الزبير وصفوان ، سنة 73 ه .
( ابن الأثير 4 / 137 ، الإصابة ترجمة 6187 المحبر ص 494 ، تهذيب التهذيب 6 / 36 )