لزينب على ابنه يزيد ، خرج حتى قدمها ، وبها يومئذ الحسن بن علي رضي الله عنهما ، فبدأ أبو الدرداء بزيارته ، فلما رآه قام إليه وصافحه إجلالا لصحبته ، ثم قال له : ما أتى بك يا أبا الدرداء ؟ قال : وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد ، زينب بنت إسحاق ، فقال له الحسن ، لقد كنت أريد نكاحها ، وما أخرته إلا لينقضي إقراؤها ، فاخطب رحمك الله عليّ وعليه ، وابذل لها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه ، فقال : أفعل ، فلما دخل عليها أعلمها بما كان ، فقالت : يا أبا الدرداء ، لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب ، لأشخصت فيه الرسل إليك واتبعت فيه رأيك ولم أقطعه دونك ، فأما إذا كنت أنت المرسل ، فقد فوضت أمري بعد الله إليك ، وجعلته في يديك ، فاختر لي أرضاهما لديك ، والله شاهد عليك ، فاقض في قصدي بالتحري ولا يصدّنّك اتباع هوى ، فليس أمرهما عليك خفيا ، ولا أنت عما طوقتك [ ص 229 ] غنيّا ، فقال أبو الدرداء :
أيتها المرأة ، إنما عليّ إعلامك ، وعليك الاختيار لنفسك ، قالت : عفا الله عنك ، إنما أنا ابنة أخيك ، ولا غنى لي عنك فلا يمنعك رهبة أحد من قول الحق فيما طوقتك ، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك ، والله خير من روعي وخيف ، إنه بنا خبير لطيف ، فلما لم يجد بدّا من القول قال : أي بنية ، ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليّ ، والله أعلم بخيرهما لك ، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا شفتيه على شفتي حسن ، فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم شفتيه ، قالت : قد اخترته ، فتزوجها الحسن عليه السلام ، وساق لها مهرا عظيما ، وبلغ معاوية ما فعل أبو الدرداء فتعاظمه جدا ، ولامه شديدا ، وقال : من يرسل ذا بله وعمى ركب خلاف ما يهوى ، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها مالا قبل شخوصه إلى الشام ، مالا عظيما ، فلما طال مكث ابن سلام بدمشق ، جفاه معاوية لقوله فيه إنه خدعه ، فشخص إلى العراق ، وهو لا يظن إلا جحودها الوديعة لطلاقه لها من
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 347
مساهمون: أحمد بن يحيى العمري
ص٣٤٧