مع فروسية كانت فيه ، لو وجد لها حين إبراز ، أو أضفي حد لإحراز ، إلا أنه لم يجد لغصته مساغا ، ولا لقصته بلاغا ، فكان لا يرى لسهولة الجانب ، ومداهنة المجانب ، إلا أوطأ من رمله ، وأضعف من نمله ، وأكثر توقيا ممن عرفت عليه عمله ، عهد إليه أبوه الحاكم بالخلافة بعد ابنه المستمسك ، الأمير أبي عبد الله محمد ، حين توفي المستمسك وتجرع أبوه صاب مصابه ، وطوى حوائجه على داء أوصابه ، ثم جعل بعده العهد إلى إبراهيم ولد المستمسك ، ظنا أنه يصلح لأن يصرح باسمه على المنابر ، ويجيء على أذيال آبائه الأكابر ، فلما توفي الحاكم وخرج سلار كامل الممالك ، فمن دونه في جنازته ، وقاموا نحو كرامته وغرارته ، بويع المستكفي بيعة طوقت الرقاب ، وطولت له ذيل الخلافة على الأعقاب ، وكان هو وسلطاننا كأنهما أخوان ، لما بينهما من إلفة جامعة ، ومودة لفراق الأعداء قامعة ، وحضر نوبة مرج الصفر ، وكان [ ص 202 ] على عهد الله المظفر ، سار سلطاننا به فأيّد الله بهما هذه العصابة ، وكان يومهما بمرج الصفر باني يوم الصحابة ، كل منهما هدّ أركان العدو ، وهدم بنيان أهل العتو ، ثم لم يزل به لدم الخلافة آثار باقية ، وشئ يحفظ به تلك البقية المتلاشية ، حتى كان من نزول السلطان عن الملك سنة ثمان وسبع مائة ما كان ، وحصل الاجتماع على المظفر بيبرس ، فقلده المستكفي وسوّره ، وصيّره حيث صيره ، فنقمها عليه
هامش
- العباسية بمصر ، تولى بعد وفاة أبيه سنة 701 ه بعهد منه ، ففوض الأمور إلى السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ، وسار لغزو التتر ، فشهد مصاف شقحب ( قرب دمشق ) ، ودخل دمشق سنة 702 ه ، راكبا هو والسلطان ، وجميع كبراء الجيش مشاة ، ثم ساءت حاله مع السلطان ( الناصر ) ، فأخرجه هذا إلى قوص بالصعيد سنة 738 ه ، فأقام إلى أن توفي بها ، وكان فاضلا جوادا شجاعا ، يجالس العلماء والأدباء ، دامت خلافته تسعا وثلاثين سنة ، ولم يكن له منها غير مراسمها ، توفي سنة 740 ه .
( البداية والنهاية 14 / 187 ، ابن الوردي 2 / 317 ، المختصر لأبي الفداء 4 / 132 ، النجوم الزاهرة 10 / 169 ، الدرر الكامنة 2 / 141 )