فترجل بموت المستكفي اسم الخلافة عن المنابر ، كأنه ما علا ذروتها ، وخلا الدعاء للخلفاء من المحاريب ، كأنه ما فرغ بابها ومروتها ، فكأنما كان آخر خلفاء بني العباس ، وشعارها عليه لباس الحداد ، وعمود تلك [ ص 204 ] السيوف الحداد ، ثم لم يزل الأمر على هذا ، حتى حضرت السلطان الوفاة ، وقرع الموت صفاه ، فكان مما أوصى به ، رد الأمر إلى أهله ، وإمضاء عهد المستكفي لابنه ، وقال :
الآن حصحص الحق ، وحنا على مخلفيه ورقّ ، وعزل إبراهيم وهزل ، وكان قد رعى رعي الهمم ، وستر اللوم بثياب أهل الكرم ، وتسمن وشحمه ورم ، وتسمى بالواثق ، وأين هو من صاحب هذا الاسم ، الذي طالما سرى رعبه في القلوب ، وأمنت هيبته العيوب ، وهيهات لا يقد من النسر التماثيل ، ولا الناموسة وإن طال خرطومها كالفيل ، وإنما سوء الزمان قد ينفق ما كسد ، والهر يحكي انتفاخا صولة الأسد ، وقد عاد الآن بعضّ يديه ، ومن يهن يسهل الهوان عليه .
ثم قام :
96 - الحاكم بأمر اللّه
أبو العباس أحمد ابن المستكفي « 1 » ، إمام غصنها ، وغمام مصرنا ، قام على غيظ العدى ، وعرف بفيض الندى ، صارت به الأمور إلى مصائرها ، وسبقت أمل مصابرها ، فأحيا رسوم الخلافة ، ورسم بما لم يستطع أحد خلافه ، وسلك
هامش
( 1 ) الحاكم بأمر الله العباسي ( الثاني ) : أحمد بن سليمان المستكفي بالله بن الحاكم بأمر الله ( الأول الذي سبقت ترجمته ) ، أبو القاسم ، من خلفاء الدولة العباسية الثانية بمصر ، بويع سنة 742 ه ، ولبس السواد ، وخطب خطبة بليغة ، وخلع على بعض الأمراء والأعيان ، وفوض الأمور للمنصور القلاووني أبي بكر بن محمد ، ولم يكن له من الأمر شئ واستمر إلى أن مات في القاهرة سنة 753 ه .
( البداية والنهاية 14 / 191 ، بدائع الدهور 1 / 200 ، الدرر الكامنة 1 / 137 ، ابن الوردي 2 / 331 ، النجوم الزاهرة 10 / 284 ، 290 ، تاريخ الخميس 2 / 382 )