تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
في الرمي وادعي له ، وسلك مدة في هذا سبيله ، لا يخلي الطير حينا من الحين ، ولا يزال قسي بندقه ينظرها طائرة في السماء ، فيصيبها بالعين ، قد جعل الجلاهق « 1 » حد سلاحيه ، لا يدع الصباح والعشاء من اغتباق راحيه ، لا يريح الرفاق من رواحيه ، ولا طائرا يطير بجناحيه ، وقصد السرداب « 2 » المعد عليه النوبة للمنتظر ، ووقف عليه ونادى لو أسمع ، وقال : أنا ابن عمك بغير مدفع ، ودينك ديني ، وما بعد اقتداري في الأرض وتمكيني ، فهذا أوان ظهورك ، فأخرج فأنا القائم بأمورك ، فلما لم يجب ، ولا قام من غير قلبه بما وجب ، علم بطلان ما كان يخيل له من خرافات تلك المخاريق ، وضلالات ما خرج به عن الطريق ، فترك سوء ذلك التشيع ، وتقلل من التكثر في التروي بها والتشيع ، ثم ما كان إلا متسننا ، وفي مذاهب أهله متفننا ، ومات ولده عليّ ، ووجد عليه وجدا كاد يذهب بحبله ، وينتزع من صدره سويداء قلبه ، وأعاد الظاهر إلى ولاية عهده ، وقدم من صهوة المنبر ما لا يصلح إلا للبده ، بويع يوم موت ، ونثرت الدنانير والدراهم يوم [ ص 192 ] بيعته ، ومدحه الشعراء ، فممن أجاد ابن التعاويذي بقوله : [ الحفيف ]
ورأى الغانيات شيبي فأعرضن * وقلن الشباب خير لباس
كيف لا يفضل السواد وقد أضحى * شعارا على بني العباس
أمناء الله الكرام وأهل الجود * والعلم والتقى والباس
ولقد رتبت الخلافة منهم * بإمام الهدى أبي العباس
هامش
( 1 ) الجلاهق : الذي يرمي به الصبيان ، وهو الطين المدور المدملق ، يرمى به عن القوس ، فارسي ، وأصله بالفارسية ( جلاهه ) ، الواحدة ( جلاهقة ) ( المعرب : 96 ) ( 2 ) السرداب : بناء تحت الأرض للصيف ، فارسي معرب ، مركب من كلمتين : سرد ، أي بارد ، وآب ، أي ماء .