تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
فلم أجبه بشئ ، ولم أجبه بموافقة ولا لي ، فأخذ المصحف وفتحه فكان أول سطر تصفحه :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
« 1 » فاسودّ وجهه وأربد حتى كان كالليل أو شبهه ، ثم أطبق المصحف وفتحه ثانيا ، فخرج منه باديا :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
« 2 » ، فازداد قلقا واضطرابا واضطر أن يفتح بابا ، ثم فتح المصحف ثالثا فوجد عاجلا لا نائيا :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
« 3 » ، فوضع المصحف والخوف قد جلله ، وألحف ثم قال : أيها الأمير ، أنت والله الخليفة بلا شك ، فما حق بشارتي وحال قبولك لإشارتي ، فقلت : الله الله في دمي ، وما عليك ألا تكون السبب في عدمي وأسأل الله أن يبقي أمير المؤمنين ، والأمير الناصر الموفق ، وما أنا وهذا ، ولم أزل به أوثق وأقول : مثلك في عقلك لا يطيق القول بمثل هذا الاتفاق ، وأنا أحوج منك إلى غير هذا من الارتفاق فأمسك عني ، وقد كان يأخذني منى ، ثم ما زال يحادثني ويخرجني من حديث ويدخلني في آخر إلى أن جرى حديث ما بيني وبين أبي ، وأنه ربما كان يؤاخذه بسببي ، ثم أقبل يحلف بالأيمان الغليظة [ ص 157 ] أنه ما سعى عليّ بمكروه ، وأنه ممن لم يحرجوا صدره عليّ ، ولم يغروه ، فصدقته خوفا أن تزيد وحشته مني فيسرع إلى التدبير في تلفي ، وأريته من الود ما لم يكن له في ، ثم صار كلما جاء أخذ معي الاعتذار والتنصل ، كأنما أبلغه مني الإنذار ، وإنما أظهر له التصديق وأبسط معه مباسطة الصديق حتى سكن قلق راحته ، وما
هامش
( 1 ) الأعراف 129 . ( 2 ) القصص 5 . ( 3 ) النور 55 .