تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
شك أني أعتقد براءة ساحته ، وما كان بأسرع من أن جاء الموفق من الجبل وقد اشتدت به علته ، ومات ، وأخرجني الغلمان من الحبس وأروني مكانه ، وأورثوني سلطانه ، وقاد الله الخلافة إليّ ، ومكنني من ابن بلبل ، فأخذت ثأري بيدي ، وكان المعتضد ملكا مهيبا ، إذا اغتاظ توقد لهيبا ، وبويع بالخلافة وقد تمزقت كل ممزق ، وتوزع ملكها وتفرق ، وقد صار كل طرف بيد ثائر ، وكل إقليم تحقق عليه نبذ كل ملك جائر ، واضمحلت الحرمة كأنها لم تكن ، وصعبت الأمة كأنها لم تهن ، فقام حتى جمع شلوها المبدد ، ومنع أديمها المقدد ، وكان في الغنية مثل موافقه في الكنية أبي العباس السفاح في تعريض وجهه للكفاح ، وكل منهما أقام دولة أبي العباس ، وأقاد لها أنف كل ذي باس ، وكلاهما كانت خلافته للخلافة العباسية بانية ، ذاك أوله وهذا ثانيه ، وكانت له على الأتراك وأرباب دولته سطوة تخاف بها أبصارهم أن تختطف ، وأعمارهم أن تقتطف ، حذرا من ضيغمة المفترش المفترس ، وأرقمة المنتهش المنتهس ، وعقابه الخطوف الكاسرة ، وعقابه الممثل بعذاب الآخرة ، فإنه كان أليم العذاب ، عقيم العقاب ، وكان يدلي عليهم الحرس ، ويذكر لهم من أمورهم وبيوتهم ما يلجمهم بالخرس ، وما عرف أحد بعد المعتصم أخف منه إلى العدو ركابا ، ولا أمد على بلد انسكابا ، ولا يحط له سرج ، ولا يحل له عن موكب طوق ورهج ، وقد حكى ابن ظافر في سياسة الملوك أنه كان لا يبرز إلا مخفا ، ولا [ ص 158 ] يستصحب ثقلا ولا خفا ، وقرر النوروز « 1 » ، وأقر عليه رزق الجند المفروز ، وتبعه عليه من بعده من الخلفاء ووفوه حسابه ، وما قدروا على الوفاء ، وكان غاية في الحزم والعزم ، حكى شارح العبدونية قال : لم تزل الأتراك مذ مات الواثق يتحكمون عليهم في
هامش
( 1 ) النوروز : أو النيروز ، اليوم الجديد ، وهو أول يوم من السنة الشمسية الإيرانية ، ويوافق اليوم الحادي والعشرين من شهر مارس من السنة الميلادية ، وعيد النوروز أكبر الأعياد القومية للفرس .