تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
خلافة المعتمد قد اعتقله لما خافه واعتمده حذرا أن يسابقه إلى الخلافة ، وذلك لسعي إسماعيل بن بلبل الوزير بينهما بالنمائم ، ووعى قلب الموفق عليه بالسمائم « 1 » ، وما شعر أن أمامه منصب الإمامة ، وإن الخلافة لا ينبغي خلافه ، وأن الملك معصم لا ينزل منه بغير سوار ، ومعقل لاعلى منه بلا أسوار ، فلبث في الاعتقال مضيقا عليه ، في مكان أقصر من طول العقال ، وبيض له المعتقل ليبهر نظره البياض ، ويخطف بصره بالإيماض ، حتى تحيل له مشرف العماير ، فلبس سراويل أخضر « 2 » ، ودخل المعتقل على أنه يتفقد العمارة ، فتفقدها ، ثم دخل الطهارة فنزع ذلك السراويل وخرج ، فلما وجده المعتضد سر به وابتهج ، فكان يدعه على عينيه ، ويعده بينه وبين الحائط ، وينظر إليه ، فوجد بحوة « 3 » لونه حفا لصحوة عينيه ، ولم يكن عنده إلا فرد غلام لا يغني في رد كلام ، وكان المعتضد يشغل وقته بمصحف يقرأ منه القرآن العظيم ، ودعاء يقرع به باب السميع الكريم ، ودخل عليه الوزير ابن بلبل يوما ، والمعتضد يقرأ ، فوضع إلى جانبه المصحف ، وأخذ بأنه يخضع للوزير [ ص 156 ] ويتلطف ، وكان يدخل عليه ليجد ما ينم به ، وينمي أحاديث كذبه ، وكان الموفق قد خرج إلى الجبل فزاد خوف المعتضد من غرّة فيه تهتبل ، وكان يتخوف دخوله عليه على غفلة ، ويشفق لا يكاتب أباه عنه بكذب يعجل نقله ، ويجعل نظره إليه نسله ، ويخلي به مثله مثلة ، فيأمر بقتله ولا يكشفه ، ولا يجد من يثنيه عنه ولا يصرفه ، قال المعتضد ما معناه : وكان ابن بلبل يجيئني في كل يوم مراعيا خبري ، وساعيا في قص أثري ، ويظهر أنه يتردد إليّ خدمة يؤديها ، وإنما يردد نقمة يردّيها ، فلما دخل عليّ ذلك اليوم قال : إيها ، أعطني المصحف لأتفاءل لك إن كنت تبلغ مؤملك ،
هامش
( 1 ) وعى بالسمائم : أي امتلأ بالوشايات المؤلمة كالريح الحارة . ( 2 ) السراويل : لباس يغطي السرة والركبتين وما بينهما ، وهو مفرد جمعه سراويلات . ( 3 ) الحوة : لون تخالطه الكمتة مثل صدأ الحديد .