بالمساورة ، وغالبه المعتز حتى غلبه ، وناصبه حتى ابتز منه الملك وسلبه ، وكان ألثغ اللسان لا ينعش الألفاظ من عثراتها ، ولا ينعم النظر في تجنب معراتها ، وكان يجعل الشين ثاء ، وزبد كلامه الغث كله زبدا غثاء ، وكان من سفلة الخلفاء ، لا يصعد به جده هاشم ، ولا جده الذي هو لمعاطس الأعداء مرغم ولوجوههم هاشم ، لا يطاوعه على الحزم الرأي الرائن « 1 » والعزم الخائب الحائن « 2 » ، وكان أردى في هذا من الأمين حالا ، وأكدى محالا ، واستوزر وزيرا ناسبه في هذه الأحوال ، وحاسبه على فعله حالا فحال ، حتى انحل سياج دولته ، وانفل جيش صولته ، وآل أمر المستعين إلى ما آل ، ومال إلى سوء رأيه في سوء مآل ، وكان مع هذا غير مقبول الصورة ، ولا مأمول السورة ، إلا أنه لم يخل من مجالس أنس ، وندمان ونفس تبادر ببذل المال صرف الزمان ، فكان يهب البدر « 3 » ، ويعد بأمثالها إذا قدر ، وكان لا يمل ود الصديق ، ولا يميل إلى من وشى به إصغاء التصديق ، فكان فيه مما يحمد هاتان الخلتان ، والحسنتان الحسنتان ، وكان ينظم الشعر ، إلا أنه من سقط المتاع ، ويجيء به بلا كلفة ، إلا أنه مما تجود به الطبيعة ، وكان قد بويع بالخلافة يوم الاثنين لست خلون من ربيع
هامش
- وقتل ، وقامت ثورات في الأردن وحمص والمعرة والمدينة ، وانتقل المستعين إلى بغداد ، فغضب القواد وطلبوا عودته إلى سامراء ، فامتنع ، فنادوا بخلعه ، واتصلوا بالمعتز ، وكان سجينا بسامراء فأطلقوه وبايعوه ، وزحفوا لقتال المستعين ببغداد ، وانتشرت الفوضى ، فخلع نفسه واستسلم للمعتز لقاء مال معلوم يدفع إليه ، ورحل إلى واسط بأهله ، وبقي عشرة أشهر ثم نقله المعتز إلى القاطول فسلّم إلى حاجب يدعى ( سعيد بن صالح ) فضربه حتى مات سنة 252 ه .
( الطبري 11 / 82 ، 137 - 146 ، ابن الأثير 7 / 37 - 56 ، المسعودي 2 / 319 - 330 ، تاريخ بغداد 5 / 84 ، النجوم الزاهرة 2 / 335 فوات الوفيات 1 / 68 ، تاريخ الخميس 2 / 340 )
( 1 ) الرائن : الدنس ، وما غطى على القلب وركبه من القسوة للذنب بعد الذنب .
( 2 ) الحائن : المهلك .
( 3 ) البدر : جمع بدرة ، كيس فيه مقدار من المال يتعامل به ويهب به الخلفاء العطايا .