تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
المعتز ناصبه حتى ابتز منه الملك ، واهتز له اهتزاز سيف لا يعوقه المسك ، ناصبه على الأمر حتى قوم أوده ، ونصبه وقدم مدده إليه ونصبه ، وجهز إليه أخاه الموفق فكسر ، ثم أجهز عليه فنصر بعد حروب أفنيا فيها الأعمار ، وبنيا فيها صروحا تسلق عليهما منها الأغمار ، لكثرة ما طاح بينهما من جائل مهج ، وطاف من حائل رهج ، وطيّب المعتز سقام الملك ، وشفى وصبه ، وكفى عصبه ، فاستعاد سلطانه ممن غصبه ، واستقاد شيطانه المريد ورجمه بشهب نباله وحصبه ، ورجمه فأنفاه ، ثم بدا له فشفى غليله ، وإن كان قد قطع عصبه ، وكان المعتز أحسن خليفة رئي كأن البدر طالع من طوق قبائه ، والظبي راتع حول خبائه ، برز يوما في ثوب أخضر مذهب ، فأشبه غصنا وريقا تلص إليه الأصيل ، ولم يذهب ، وكان يتعشق يونس بن بغا ، وكان مثله في حسنه وحسناه ، ونظيره في سنه وسناه ، حتى كان يقال إنه ما رأى أحد مثلهما عاشقا ومعشوقا ، توافقا جمالا وتناسقا كمالا ، وتقارضا شغفا وتقاربا كلفا ، فكانا غصنين سمقا ، وبدرين اتسقا ، وكلف المعتز به حتى كان لا يقدر يصبر عنه لحظة ، ولا يضيع مع غيره لفظة ، واشتغل به عن كل ما سواه ، وجد به وجدا قل من قاربه فيه أو ساواه ، وغاب عنه ساعة يرى فيها أمه وهي تموت ، فقال : [ مجزوء المتقارب ]
تغيب فلا أفرح * فليتك لا تبرح [ ص 152 ]
وإن جئت عذبتني * بأنك لا تسمح
فأصبحت ما بين ذين * ولي كبد تجرح
على ذلك يا سيدي * دنوك لي أصلح
وقد قيل إن اسمه الزبير ، وكان يوصف بالحزم والعزم على صغر سنه ، فلما
هامش
- ( الطبري 11 / 162 ، ابن الأثير 7 / 45 - 64 ، تاريخ بغداد 2 / 121 ، الديارات ص 104 - 109 ، الأغاني 9 / 318 ، المسعودي 2 / 330 - 338 )