تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
المرعى وبيّه « 1 » ، وانتضى له سر العهد والعمد ، وطوقه بجنيه ، وأوطى عليه صوارم الأتراك ، ووالى إليه عزائم الإدراك ، حتى قتل تلك القتلة ، وبرد غيظه ، وشفى الغلة ، لهذا منّي بالهلك بعده ، وما هنّئ بالملك ولا طالت له مدة ، فكانت قضيته شبيهة بقضية شيرويه « 2 » ، كلاهما قتل أباه ، فما قبل الملك بملكه وأباه ، فما سعى إلى السرير السرير حتى قصرت خطوة أجله ، وقصرت سطوة المنايا على عجله ، فحقرت كتب التهاني بالتعازي ، ووسمت سمة فعله بالمحاسن والمخازي ، فمن حمله على أنه غار لله لابن عم رسوله شكره ، ومن حمله على أنه غال أباه للملك لم يكفر له ذنوبه المعذرة ، ومن يوم مدت الأيدي بالمبايعة إليه قال الناس : هذا لا تزيد أيامه على مدة [ ص 149 ] شيرويه ، وكان من غريب الاتفاق أنه بسط في ذلك اليوم بساط ، جاءت قدام مقعد المنتصر صورة مصورة ، وحولها أسطر مسطرة ، فأحضر من قرأ له ذلك الخط وعرّبه ، فوجد مضمون أحرفه المكتتبة ، هذه صورة شيرويه قتل أباه ، فما دامت أيامه ، ولا هنّئ بالملك بعده ، فتطير المنتصر من ذلك ، وتقرر عنده أنه هالك ، فلما هلك ، عجب الناس من ذلك الوفاق ، حتى ظن بعضهم أن هذا وقع بالقصد لا بالاتفاق . وحكى أحمد بن الخصيب ، خرج يوما مسرورا ، فقال : إن أمير المؤمنين رأى كأنه صعد درجة ، حتى انتهى إلى خمس وعشرين مرقاة ، ثم قيل له قف ، هذا آخر عمرك ، فتأولها ابن الخصيب الخلافة ، وإنما كانت جميع عمره ، فعاش بعد
هامش
( 1 ) وبيّه : أي وبيئه ، كثر فيه الوباء . ( 2 ) شيرويه بن كسرى أبرويز : كان عظماء الفرس قد قالوا له : إما أن تأمر بقتل أبيك ، وإما أن نطيعه ونخلعك ، فأمر بقتل أبيه على كره منه ، فلما قتل أبوه شق عليه ذلك وندم ، ثم أمر بقتل قاتل أبيه وهو شاب اسمه مهر هرمز بن مرد انشاب ، ثم إن شيرويه قتل إخوته فهلك منهم سبعة عشر أخا ، ثم جزع عليهم . ( الكامل - ابن الأثير 1 / 385 ط بيروت 1995 )
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 244 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام