المصير ، ثم لم تحوجه الأقدار بعدها إلى تجهيز جيش ، ولا استعمال أناة ولا طيش ، وكان السفاح يسفح نوالا ، ويرى ألا يرد سؤالا ، مع ما كان فيه من وفاء جرى إليه سيوقا ، وشمخ غصنه الرطيب سموقا مع مكارم أخلاق فاقت أشباهها ، وراقت أمواهها ، فما شاءه طلب بلوغا ، ولا لاواه نزوغا ، ولا بدأ بأمر إلا وأتمه فروغا ، ولا أهمه مهم إلا وعاجل نجمه بزوغا ، وقد كانت ملوك بني أمية ترى أنه سيكون الأمر في رجل من بني العباس أمه من بنات الحارث بن عبد المدان ، فكانت تمنعهم من الزواج إليهم ، حتى كان عمر بن عبد العزيز ، فاستأذنه علي بن عبد الله في التزوج بريطة ، فقال له : تزوج بمن شئت ، فأولدها أبا العباس السفاح .
وحكى ابن ظفر : أن أبا سلمة الخلال وسلمان بن كثير كانا يفدان في كل عام على إبراهيم الإمام ، فيأتيانه بهدايا أهل الدعوة وبكتبهم ويستأمرانه ، ولم يكن أحد من أهل بيته يعرفهما ولا يعرف الأمر الذي يأتيان فيه ، فقدما سنة من السنين فرأيا أبا العباس وأبا جعفر أخوي إبراهيم الإمام ، وهما إذ ذاك غلامان ، فأعجباهما ، فقال سليمان بن كثير لأبي سلمة : إني مسر إليك أمرا مهما ، فاحلف لي على كتمانه ، فحلف له أبو سلمة بأيمان رضيها ، فقال له سليمان بن كثير : إني أرى عند هذين الصبيين من إمارات الاستقلال ما لا كفاء له ، فقال له أبو سلمة : هما والله أولى من صاحبنا ، يعني إبراهيم [ ص 101 ] الإمام « 1 » ، فقال
هامش
( 1 ) إبراهيم الإمام : إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، زعيم الدعوة العباسية قبل ظهورها ، كان يسكن الحميمة ( من أرض الشراة قريبة من معان ) ، وكانت بها منازل بني العباس ، أوصى له أبوه بالإمامة ، فكان شيعتهم يختلفون إليه ويكاتبونه من خراسان وغيرها ، وتأتيه رسلهم ، وانتشرت دعوته ، وهو الذي وجه أبا مسلم الخراساني واليا على دعاته وشيعته في خراسان ، فكان من أبي مسلم أن حارب عمال بني أمية ، وتغلب على البلاد باسم الإمام ، وكانت طريقتهم في ذلك كتمان اسم الإمام إلا عن الدعاة والثقات من الشيعة ، ثم ظهر أمر إبراهيم وعلم -