تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
وعرض على أبي العلاء كفّ من اللّوبياء ، فأخذ منها واحدة ولمسها بيده ، ثم قال : ما أدري ما هي إلّا إنّي أشبّهه بالكلية . فتعجّبوا من فطنته وإصابة حدسه . وقال أبو العلاء في وقت لجماعة حضروا عنده : عدوا علّي الألوان ، فقالوا : أبيض ، وأخضر ، وأصفر ، وأسود ، وأحمر . فقال : هذا هو ملكها . يعني الأحمر . وكان أبو العلاء يقول : أذكر من الألوان الحمرة ، وذلك أنّني لمّا جدرت ألبست ثوبا أحمر . وهذا من فرط ذكائه ، لأنّه كان عمره أربع سنين . ودخل عليه أبو محمد الخفاجيّ الحلبي ، وسلّم عليه ولم يكن يعرفه ، فردّ عليه السلام . وقال : هذا رجل طوال . ثم سأله عن صناعته فقال : أقرأ القرآن . فقال : اقرأ علىّ شيئا منه . فقرأ عليه عشرا . فقال له : أنت أبو محمد الخفاجي الحلبيّ ؟ فقال : نعم . فسئل عن ذلك فقال : أمّا طوله فعرفته بالسّلام ، وأمّا كونه أبا محمد فعرفته بصحة قراءته وأدائه بنغمة أهل حلب ، فإنّني سمعت بحديثه . وممّا حكي عن أبي العلاء ، أنّه كان يعجبه قصيدة التّهامي التي يرثى بها ولده ، وأوّلها : [ الكامل ]
حكم المنيّة في البريّة جاري * ما هذه الدّنيا بدار قرار
وكان لا يرد عليه أحد إلّا ويستنشده إيّاها ، لإعجابه بها . فقدم التهاميّ معرّة النعمان ودخل على أبي العلاء ، فآستنشده إيّاها ، فأنشدها ، فقال له : أنت التهامي ؟ فقال : نعم . فقال : كيف عرفتني ؟ فقال : لأني سمعتها منك ومن غيرك ؟ فأدركت من حالك أنّك تنشدها من قلب قريح ، فعلمت أنّك قائلها . ومن رسائل أبي العلاء رسالة كتب بها إلى أبي نصر صدقة بن يوسف ، لمّا استدناه إلى حضرة عزيز الدولة فاتك / 343 / صاحب حلب ، وهي « 1 » :
هامش
( 1 ) تنظر رسائل أبي العلاء المعري ، 2 / 231 ، وما بعدها باختلاف يسير .