تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 461

مساهمون:

ص٤٦١
وحكي من ذكاء أبي العلاء أنّه لمّا سافر إلى بغداد دفع بعض أهله إلى خادمه الذي كان سافر معه لخدمته ماء من بئر بالمعرّة ، يقال لها بئر القراميد ، وقال له : إذا أراد العود من بغداد فاسقه من هذا الماء . فلمّا خرج من بغداد متوجّها إلى معرّة النعمان سقاه ذلك الماء ، فقال أبو العلاء : ما أشبه هذا الماء بماء بئر القراميد ! وحكى القاضي الرشيد بن الزبير المصريّ « 1 » ، في كتاب " جنان الجنان " « 2 » ، قال : حدّثني القاضي أبو عبد الله محمد بن سنديّ القنّسريّ ، قال : حدثني أبي ، قال : بينما أنا عند أبي العلاء المعرّي ، في الوقت الذي يملي فيه شعره المعروف بلزوم ما لا يلزم ، فأملى في ليلة واحدة ألفي بيت ، كان يسكت زمانا ثمّ يملي قريبا من خمسائة بيت ، ثمّ يعود إلى الفكرة والعمل ، إلى أن كمّل العدّة المذكورة . ونقل أن رجلا من طلبة العلم باليمن وقع إليه كتاب في اللغة سقط أوّله ، وأعجبه جمعه وترتيبه ، فاتّفق أنّه حجّ فحمله معه ، وكان إذا اجتمع بأديب أراه ذلك الكتاب وسأله عنه : هل يعرفه أو يعرف مصنّفه ؟ فلم يجد أحدا يخبره بذلك . فأراه في بعض الأحيان لبعض الأدباء ، وكان ممّن يعلم حال أبي العلاء وتبحره في العلم ، فدلّه عليه . فخرج ذلك الرجل إلى الشام ، ووصل إلى معرّة النعمان ، فاجتمع بأبي العلاء ، وعرّفه ما حمله على الرحلة إليه ، وأحضر ذلك الكتاب / 341 / وهو مقطوع الأوّل . فقال له أبو العلاء : اقرأ منه شيئا . فقرأ عليه . فقال له أبو العلاء : هذا الكتاب اسمه كذا وكذا ، ومصنّفه فلان بن فلان . ثم ابتدأ أبو العلاء فقرأ له أوّل الكتاب ، إلى أن انتهى إلى ما هو عند ذلك الرجل .
هامش
( 1 ) هو أبو الحسن أحمد بن علي بن إبراهيم بن علي بن الزبير القرشي الأسدي الأسواني ، ينعت بالرشيد . ذكره العماد في الخريدة . وكان شاعرا عالما بالهندسة والمنطق وعلوم الأوائل . وسمع من السلفي ، وروى عنه السلفي شيئا من شعره . ولي نظر الدواوين بالإسكندرية ، وقتل في سنة ثلاث وستين وخمسمائة . انظر الطالع السعيد ص 49 وابن خلكان . ( 2 ) ذكره في كشف الظنون باسم : " جنان الجنان ، ورياض الأذهان " وقال : " في شعراء مصر لأبي الحسن أحمد بن علي الزبيري المتوفى سنة 563 ، صنفه سنة 58 وذيل به اليتيمة " .