والمشق ، حتى رأيت الحزم ، شد الكور إليها والحزم ، فأزمعت السير ، ولم أزجر الطير ، وقطعت أديم الأرض بالسير ، وركبت إليها مطاء الشوق قبل مطايا السوق ، ولم يتلفت القلب إلى الوطن ، ولا حن النجيب إلى العطن ، حتى بلغتها بعد مكابدة السرى ، وإثارة العجاج من الثرى ، فلما حللت مغناها وجدتها : [ الكامل ]
بلدا أعارته الحمامة طوقها * وكساه حلة ريشه الطاووس
وكأنما الأنهار فيه سلافة * وكأن ساحات الديار كؤوس
فألقيت العصا في ساحتها ، وألفيت زوال التعب في مصافحة راحتها ، فما سرت فيها إلى روض إلا وأجلسني من النرجس على أحداقه ، وقام السرو من السرور بين يدي على ساقه ، وجرى الماء في خدمتي لكرم أخلاقه ، وظللني الدوح لطيب أعراقه ، ومد الغصن لي ستور أوراقه ، وغنى لي الحمام على عوده ، ولو تأنى أو تأبى جره بأطواقه . قال :
فشفيت سقمي بنسيمها العليل ، واستروحت إلى ما نقله عن بأنه وبنفسجه لا إلى ما يتحمله من الإذخر والجليل ، وخلت أنه بلطف مسه يلين له الجندل ، وجننت بعرفه المندلي ، وما رأى الناس من جنّ بالمندل ، وبردت بأنفاسه حر الصبابة والجوى ، وقلت : [ الكامل ]
أضحى نسيم دمشق حياها الحيا * يمشي الهوينا في ظلال حماها
فكأنه من مائها وهضابها * ما داس إلا أعينا وجباها
وقطعت بها زمنا ألذ من وصال الحبيب ، وأشهى إلى النفس من التشفي بأذى الرقيب ، فلا أبعد الله ما في بساتينها من شجرات ، ولا قدّر الكسوف على ما فيها من كواكب الثمرات ، ولا دكّ هضبات أزهارها التي تضوع بطن نعمان برياها ، لا بمن مشى به من الخفرات ، فإنها : [ الخفيف ]