تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
بقاعها ، لأن السحب لا تراها إلا بسراج البرق إذا اتقد ، فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال : عندي قبالة كل عين إصبع ، ولو فاخرها لقال : أنت بالجبال أثقل ، وأنا بالملق أطبع ، والنيل له الآيات الكبر ، وفيه العجائب والعبر ، منها : وجود الوفاء ، عند عدم الصفاء ، وبلوغ الهرم ، إذا احتد واضطرم ، وأمن كل فريق إذا قطع الطريق ، وفرح قطان الأوطان إذا كسر ، وهو كما يقال سلطان ، وهو أكرم منتمى ، وأشرف منتدى ، وأعذب مجتنى ، وأعظم مجتدى ، إلى غير ذلك من خصائصه ، وبراءته مع الزيادة من نقائصه ، وهو أنه في هذا العام المبارك ، جذب البلاد من الجدب وخلصها بذراعه ، وعصمها بخنادقه التي لا تراع من يراعه ، وحصنها بسواري الصواري ، وما هي إلا عمد قلاعه ، وراعى الأدب بين أيدينا الشريفة بمطالعتنا كل يوم بخبر قاعه في رقاعه ، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعا ، وأقبلت سوابق الخير سراعا ، وفتح أبواب الرحمة بتغليقه ، وجد في طلب تخليقه ، تضرع بمد ذراعيه إلينا ، وسلم عند الوفاء بأصابعه علينا ، ونشر علم ستره ، وطلب لكرم طباعه جبر العالم بكسره ، فرسمنا بأن يخلّق ، ويعلّم تاريخ هنائه ويغلّق ، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فوج موجه ، ويهيل كثيب سده هول هيجه ، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة ، ويجوس خلال الحنايا كأن له فيها خبايا موروثة ، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة ، وعلا زبد حركته ، ولولا ظهرت في باطنه من بدور أناسه أشعتها المعكوسة ، وبشّر بركة الفيل ببركة الفال ، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال ، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه ، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه ، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد ، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نزلت بركاتها من الله تعالى على العباد ، وهذه عوائد الألطاف الإلهية بنا ، التي لم نزل نجلس على موائدها ، ونأخذ ما نهبه لرعايانا من فوائدها ، ونخص بالشكر قوادمها ، فهي