تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
جرى لتناهي حسنه كلّ جامع * وما قصبات السبق إلا لمعبد
قال : فبينا نحن ذات ليلة وقد وردنا حمى المضاجع ، ودخل ضيف الطيف على مقلة الهاجع ، وإذا بالأصوات تعجّ ، والدعوات تلج أبواب السماء وتلجّ : [ الطويل ]
فلو نشدت نعشا هناك بناته * لمات ولم يسمع لها صوت منشد
فسألت عن الخبر ممن عبر ، فقال : إن الحريق وقع قريبا من الجامع ، وانظر إلى نسج الجوّ كيف انتشرت فيه عقائق اللهب اللامع ؛ فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم ، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم ، ورأيت النار وقد نشرت في حداد الظلماء معصفرات عصائبها ، وصعدت إلى عنان السماء عذبات ذوائبها : [ من الطويل ]
ذوائب لجت في علوّ كأنما * تحاول ثأرا عند بعض الكواكب
وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر ، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ترمي بشرر كالقصر ، فكم زمر أضحت لذلك الدخان جاثية ، وكم نفس كانت في النازعات وهي تتلو :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ
« 1 » ولم تزل النار تأكل ما يليها ، وتفني ما يستفلها ويعتليها ، إلى أن ارتقت إلى المئذنة الشرقية ، ولعبت ألسنتها المسودة في أعراض أخشابها النقية ، وثارت إليها من الأرض لأخذ الثأر ، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء : كأنه علم في رأسه نار « 2 » ؛ فنكست وكانت للتوحيد سبابة ، ولمعبدها المطرب شبابة ، وابتلي رأسها من الهدم والنار بشقيقة ، وأدار الحريق على دائرها رحيقه : [ المتقارب ]
هامش
( 1 ) سورة الغاشية : 1 . ( 2 ) عجز بيت للخنساء ، تمامه : [ ديوانها 386 ]أغر أبلج تأتمّ الهداة به * كأنه علم في رأسه نار