تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
غناه عن التحصيل أدأب ، ولا أظن مثله أجمع لمدحة وآبدة ، وأخبار أمم باقية وبائدة لديها واقدة ، ولا مقل الفراقد عن التطلع إلى هذا ، وما كسا الزمان مثله ثوبيه ، ولا حمل الوجود حفيا شبهه بين جنبيه ، فهو محدث يحدث بالصحيح ، وتروى عنه العجائب ، والمعروف وكله غرائب ، كم قال وكم ألجم الحصر كل لسن ، وقام بالسنة وكل سنده علي وحديثه حسن ، هذا على أنه حامل فقه لا ينقل إلى أوعى منه ، ومتقن علم لا يؤخذ القديم والحديث إلا عنه ، نعم وأنعم به من مؤرخ ينسئ الأمم وينشر الرمم ، وينشد ضوال الأنباء وقد أماتها البكم ، وأقبرها الصمم ، فشق أصداف اللحود عن دررهم ، وكشط جلد الدهماء عن غررهم ، وأوجدهم فما كتب من التاريخ وجودا ثانيا ، فأقاموا به أرواحا وسئلوا فقالوا فصاحا : ساقهم في تاريخه فكأنما قاموا في صعيد واحد لديه ، وأتى بهم من عهد آدم وهلم جرّا إليه ، أجل ، وهو أجل كاتب تخضع لطرسه مهارق السحائب ، ويخشع لقلمه سيف البرق المسنون ، ويسقط قلبه الواجب ، وأضاء أيضا له نور حكمة ، يغلب فجرها الطالع مشارق الأنوار ، ويغل فكرها السابق يد القيرواني « 1 » إن نظمت أبكار الأفكار ، ويذهب التحصيل وليس من بدره المنير درهم ولا من شمسه المشرقة دينار ؛ وينبو دونه مضرب السيف ولو أن الآمدي ذا الفقر ذو الفقار ، فأما ابن سناء فيخفي في طي البروق إشاراته ، والرازي يرزأ كتبه ، وتجف في لسان القلم عباراته ، وقل أن وجد في علم أقليدس مثله من يحل إشكاله ، ويجل أشكاله ، ويغدو من قلّ علمه الأقلودي للأرض مقسما ، ولمقادير الكواكب متوسما ، بل لو وصل إلى ابن واصل علمه لقنع بما فضل ، أو ابن العديم جمال الدين ما عدم ما تعنّى إليه وما وصل ، وكل هذا عوله على أدبه الذي هو أغض من ورق النبات ، وأحسن من تذهيب الحياء فضة خدود البنات ، بقريحة
هامش
( 1 ) يقصد ابن رشيق القيرواني ، صاحب « العمدة في محاسن الشعر وآدابه » .