من سحرهم أنها تسعى ، وصحراء أرض ليس لمن أقام بها ظل هناك ولا مرعى ؛ فاسترقينا مكانا دلنا عليه حسن الإيمان ، نصبنا على أرجائه منجنيقا هدر بازله ، وهثم ثغر تلك الأبنية نازله ، وتجسدت عصيه حيات تلقف ما صنعوا ، وفرقت ما جمعوا ، وظل لنا ولهم يوم ولا كيوم ذي قار ، وحرب ولكن أين حزب أهل الجنة من حزب أهل النار ، سيوف مخروطة ، وأيد منا ومنهم بالدعاء مبسوطة ، وعجاج انعقد مثاره ، وقسطل ولكن استعر بحوافر الصوافن أواره ، بذلوا أنفسهم دونها ، وراموا ولو بهلاكهم صونها ، وعلا شرفاتها منهم أمم لا تحصى ، وجمع آلت يد المنيّة لعددهم لابد تستقصى ، ولم تزل المنايا تسخن بقوة الله ذلك الحفير ، وتورد سكان تلك البقاع بعون الله سوء المصير ، ثم سارت رجّا فتنا ، وجال النقب في أرجائها ، وبلغت الأماني من النصر غاية رجائها ، وصيرناها بالحديد ، والطلل الدارس بعد المشيد ، وحملنا عليهم بقلب رجل واحد ، فانطمس محكم التثليث ، واستبان طريق الواحد ، وتفرق من بها بين أسير أثقلته أغلاله ، وقتيل غرته بالإقدام آماله ، وطريد لا يعرف له مكانا ، وخائف كلما تبدّى له مرأى ظنه إنسانا ، وفتحناها بكرة الجمعة ، وغدت أعلام الخلافة المعظمة على بقايا شرفاتها خافقة ، وأطلاب الإسلام لاستئصال شأفتهم متلاحقة ، وقام خطيبنا على صهوة المنبر الأقصى مرتجلا ، وصاغ أوصاف المواقف المعظمة والمواطن المكرمة لجيده حلى ، وذكره الحرب وكان ناسيا ، وألان له بالمواعظ قلبا كان لعدم الادّكار قاسيا ، وأعدنا إليه ما كان يعهده من الجمع ، وتقدمنا بهدم ما استحدث من البيع ، وشيدنا ما دثر من مشهد ، اعتمدوا تخريبه ومعبد ، وأتستنقذنا معالم الصخرة الشريفة من الإشراك ، فعادت إلى أخوة الحجر الأسود ، وهذا الفتح وإن كان المقصود منه مكانا مخصوصا ، فهو فتح يشتمل على مدن عامرة ، ورباع غير عامرة ، وقلاع مرفوعة ، وفاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وقرى ظاهرة ، وركبان
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 458
مساهمون: أحمد بن يحيى العمري
ص٤٥٨