تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
أن نصير من ورائهم ، فاغتنم العدو تلك الغفلة التي ساقها المهلكان العجب والطمع ، وانتهز فرصة الكرة التي أعانه عليها المطمعان إبداء الهلع وتخلية ما جمع ، فانتثر من جمعنا بعض ذلك العقد المنتظم ، وانتقض من حزبنا ركن ذلك الصف الذي أخذ فيه الزحام بالكظم ، وثبت الخادم في طائفة من ذوي القوة في يقينهم ، وأرباب البصائر في دينهم ، فكسرنا جفون السيوف ، وحطمنا صدور الرماح في صدور الصفوف ، وأرينا تلك الألوف كيف تعد الآحاد بالألوف ، وحلنا بين العدو وبين أصحابنا بضرب يكف أطماعهم ، ويرد سراعهم ، ويعمي ويصم عن الآثار والأخبار أبصارهم وأسماعهم ، إلى أن نفسنا للمنهزم عن خناقه ، وأيأسنا طالبه من لحاقه ، ورددناه عنه خائبا بعد أن كانت يده متعلقة بأطواقه ، وأحجم العدو مع ما يرى من قلتنا عن الإقدام علينا ، ورأى منّا جدّا كاد لولا كثرة جمعه يستسلم به إلينا ، وعادوا ولنا في قلوبهم رعب يبيتهم وهم الغالبون ، ويدركهم وهم الطالبون ، ويسلبهم رداء الأمن وهم السالبون ؛ وقد لمّ الخادم شعث رجاله ، وضم فرقهم بذخائر ماله ، وأمدهم بنفقات حلت أحوالهم ، وأطلقت في طلب عدوهم أقوالهم ، وسلاح جدد استطاعتهم ، وأعان شجاعتهم ، وخيول تكاد تسابقهم إلى طلب عدوهم ، وتحضهم على أخذ حظهم من اللقاء ، كأنها تساهمهم في أجر رواحهم وغدوهم ، وقد نضوا رداء الإعجاب عن أكتافهم ، واعتصموا بعون الله وتأييده لا بقوة جلدهم ، ولا بحدة أسيافهم ، وسيعجلون العدو إن شاء الله عن اندمال جراحه ، ويتعجلون إليه بجيوش تسوؤه طلائعها في مسائه ، وتصبحه كتائبها في صباحه ، والله تعالى لا يكلنا إلى جلدنا ، ولا ينزع أعنة نصره من يدنا . ومنه قوله مما كتبه على لسان مولود إلى أبيه ، ولم يكتب به : يقبل الأرض ابتداء بالخدمة من حين ظهر إلى الوجود ، وتشوقا إلى امتطاء