تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
فإن العاجز من ظن أنه يصيب ولا يصاب ، ولا يتخذ غير ظهر حصانه حصنا ، فلا حرز أمنع من صهوة الجواد ، ولا سلم أسلم من الركاب ؛ وليعلم أن العاقبة للمتقين ، ويدرع جنة الصبر ليكون من النصر على ثقة ، ومن الظفر على يقين ؛ فإن الله مع الصابرين ، ومن كان الله معه كانت يده الطولى ، وإذا لاقى عدو الله وعدوه فليصبر لحملته ، فإن الصبر عند الصدمة الأولى ؛ والله تعالى يكلؤه بعينه ، ويمده بعونه ، ويجعل الظفر على عدوه موقوفا على مطالبته له بدينه . ومن قوله في مثله على الطريق المعتاد في ذم المهزوم : هذه المكاتبة إلى فلان ، أقاله الله عثرة زلته ، وأقامه من حفرة ذلته ، وتجاوز له عن كبير فراره من جمع عدوه على قلته ؛ بلغنا أمر الواقعة التي لقي فيها العدو بجمع قليل غناؤه ، ضعيف بناؤه ، كثيف في رأي العين جمعه ، خفيف في المعنى وقعه ونفعه ، أسرع في مفارقة المحال من الطل في الانتقال ، وأشبه في مماثلة الوجود بالعدم من طيف الخيال ؛ يحفّون منه بقلب واجب ، ويهتدون من تجريبه وتهذيبه برأي بينه وبين الصواب حاجب ، ويأتمون منه بمقدم يرى الواحد ممن عدوه كألف ، ويتسرعون منه وراء مقدم يمشي إلى الزحف ولكن إلى خلف ، جناح جيشه مهيض ، وطرف سنانه غضيض ، وساقة عسكره ظالعة ، وطلائعه كالنجوم ولكن في حال كونها راجعة ، تأسف السيوف بيمينه على ضارب ، وتأسى الجنائب حوله إذ تعد لمحارب فتغدو لهارب ، وإنه حين وقعت العين على العين ، وأيقن عدوه لما رآه من عدده وعدده بمعاجلة الحين ، أعجل نصول العدى عن وصولها ، وترك غنيمة الظفر لعداه بعد أن أشرف على حصولها ، تناديه ألسنة الأسنّة الكرة الكرة ، ولا يلتفت إلى ندائها ، وتشكو له سيوفه الظمأ وقد رأت موارد الوريد فيعيدها إلي الغمود بدائها ؛ فمنح عدوه مقاتل رجاله ، وأباحهم كرائم مال جنده وماله ، وخلى لهم خزائن سلاحه التي أعدها لقتالهم ،