بدره بارتحاله ، وأن الرماح التي امتدت إليه أخرس سفه ألسنة اسنتها ، والجياد التي قدمت عليه جعل طعنه أكفالها مكان أعنتها ، فأثبت في مستنقع الموت رجله « 1 » ووقف وما في الموت شك لواقف « 2 » ، ليحمي خيله ورجله ، حتى يجيز أصحابه إلى فئة مأمنهم ، وأقام نفسه دونهم دريئة لمن بدر من سرعان القوم أو ظهر من مكمنهم ، وهذا هو الموقف الذي قام له مقام النصر إذ فاته النصر « 3 » ، والمقام الذي أصيب فيه من أصحابه آحاد يدركهم أدنى العدد ، فقد فيه من أعدائه مع ظهورهم ألوف لا يدركهم الحصر ؛ وكذا فليكن قلب الجيش كالقلب ، يقوى بقوته الجسد ، وإذا حقق اللقاء فلا يفرعن كناسه إلا الظبي ، ولا يحمي عرينه إلا الأسد ، وما بقي إلا أن تعفو الكلوم وتثوب الحلوم ، وتندمل الجراح ، وتبرأ من قلوب المضارب صدور الصفاح ، وتنهض لاقتضاء دين الدّنى من غرمائه المعتدين ، وتبادر إلى استنجاز وعد الله ، فإن الله يمحّص المؤمنين ويمحق الكافرين ؛ والليث إذا جرح كان أشد لثباته ، وأمد لوثباته ؛ والموتور لا يصطلى بناره ، والثائر لا يرهب الإقدام على المنون في طلب ثأره ، والدهر ذو دول ، والزمان متلون ، إن دجت عليكم منه بالقهر ليلة واحدة ، فقد أشرق لكم منه بالنصر ليال أول ؛ فالمولى لا يلتفت إلى ما فات ، ويقبل بفكره على تدبير ما هو آت ، ويعد للحرب عدته ، ويعجل أمد الاستظهار ومدته ، ولا يؤخر فرصة الإمكان ، ولا يعد ذكر ما مضى فإنه دخل في خبر كان ، ولا يظهر بما جرى عجزا ،
هامش
( 1 ) من قول أبي تمام : [ ديوانه 4 / 81 ]فأثبت في مستنع الموت رجله * وقال لها : من تحت أخمصك الحشر( 2 ) من قول المتنبي : [ ديوانه 3 / 386 ]وقفت وما في الموت شك لواقف * كأنك في جفن الرّدى وهو نائم( 3 ) من قول أبي تمام : [ ديوانه 4 / 80 ]فتى مات بين الضرب والطعن ميتة * تقوم مقام النصر إذ فاته النصر