تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
الخير عليه السلام الريح والطير ، هذه غدوها شهر ورواحها شهر ، وهذه تستطلع له أنباء الملوك فتستنزلهم على حكم الذل والقهر ، ولذلك درجت الملوك الحمام ورتبت البريد ، فبلغت بهما في الوقت القريب ما تريد من غاية المرام البعيد ، وقربت لهم مستبعدات المطالب ، وأطلعتهم بسرعة الإعلام على نهايات العواقب ، فبلغت هذه بسرعة إيصال البطائق ، ما لم يكن أحد من البشر بطائق ، وارتفعت محلقة في الهواء ، وحلقت مسخرة في جو السماء ، وما خفقت بأجنحتها إلا وقد وافت بالبشرى مخلقة وما أخفقت ، وما خضبت كفها وتطوقت إلا للسرور وصفقت ، وما حفظت العهود من الأسرار ، وما ردها الحنين إلى الأوكار ، وما قطعت مسافة في ساعة من نهار ، وما وما وما ، ولا عرجت طائرة نحو السماء إلا وقد ذكرت عهودا بالحمى ، إلا أن بطائقها ربما نقلت من جناح إلى جناح ، وحصل بنقلها أعظم خطر وأوفر جناح ، وكشف خدرها ، وأذيع سرها ، فغدت مذاعة السرائر ، وكانت محجوبة عن مقلة كل طائر ، وذاك حافظ لما استودع من الأمانة المؤداة ، أمين على ما حمل من النفقات والمشافهات ، إلى الأجانب وأهل المودات ، حريص على إيصال كتبها ، صائن لها في حربها ، صيانة الصوارم في قربها ، والعيون بهدبها ، يوصلها بطيها مختومة بخاتم ربّها ، فهو السهم الخارج عن كبد القوس ، لا يزيغ عن الغرض ، وتلك ربما جرحها الجوارح ، وعرض لها بالبنادق من اعترض ؛ وصدها عن بلوغ المرام ، غموم الغمام ، وعموم الظلام ، وقطع « 1 » طريقها ، وحتم تعويقها ، وقضى وحكم عليها بالتأخير ، لأنها فيهما لا تطير ، وذاك في الليل والنهار ، والصحو والغيم يسري ويسير ، ولذلك لا تسرح الحمام في المهام ، إلا ويرسل تحتها البريد ، مؤرخ بتاريخها فهو لها وعليها سائق وشهيد ، وهي وإن شهد لها المترنم المنتدم ، بالفضل والتقدم ، والفضل
هامش
( 1 ) لعل الصواب : فقطع طريقها .