طالما حل الرتب العالية بجليل مقداره ، وحلى المناصب العالية بجلي أنواره ، وما شب على معاطف مناقبه ذوائب فخاره ، وهامت الأفكار في أودية محامده وما بلغت وصف محله ومقداره ، وافتخر قلم الفتيا براحته ، فتباعد السيف عن قربه خوفا من مهابته ، وسدد إلى الحق سهام أحكامه ، فأصابت الأغراض وعالج الأفهام بإفهام كلامه ، فشفى صحيحه الأمراض ، وكان فلان ثمرة هذه الدوحة النضرة ، ونشر هذه الروضة الخضرة ، فرسم بالأمر العالي أن يفوض إليه تدريس المدرسة الأمينية بدمشق ، فليكتب بها دروس فضله التي لا تدرس الأيام آثارها ، ويغرس في قلوب طلبتها حب فوائده ليجتني ساعة غرسها ثمرها ، لتصبح هذه المدرسة كنيفا ملئ علما ، وقليبا حشي فهما ، وفلكا تبدي شمسا وتخفي نجما ، وكنانة تخرج من طلبتها في كل حين سهما .
قلت : هذا من توقيع كتبه في الأيام الكاملية حين خرج سنقر الأشقر على الملك المنصور لقاضي القضاة شمس الدين بن خلكان ، وقد أخذت الأمينية « 1 » له من نجم الدين بن سني الدولة . « 2 »
عدنا إلى ابن العطار :
ومن إنشائه رسالته التي سماها « رصف الفريد في وصف البريد » : أما بعد حمد الله البر ، المسير في البحر والبر ، والصلاة على من علا البراق ،
هامش
( 1 ) المدرسة الأمينية ، قبلي باب الزيادة من أبواب الجامع الأموي ، وهي أول مدرسة بنيت للشافعية بدمشق . ( الدارس 1 / 177 ) .
( 2 ) قاضي القضاة ، نجم الدين ، أبو بكر ، محمد بن أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن الملقب بسني الدولة ؛ ولي قضاء القضاة بعد كسرة التتار على عين جالوت ، فبقي سنة ثم عزل ، ثم ولي قضاء دمشق وتدريس الأمينية ؛ كان مشهورا بالصرامة والهيبة . توفي سنة 680 ه . ( الدارس 1 / 190 ) .