مثل منجح « 1 » ، ومن أين لأحد تلك البديهة المتسرعة ، والروية التي هي عن كل ما ينتحى وينتحل متورعة ، والمعاني التي قطف نوارها أبكارا ، والغرائب التي بحرها لا يهدي الدر إلا كبارا ، والخاطر الذي « 2 » يستجدي الفضلاء من سماحته ، واللسان الذي يخرس البلغاء عند فصاحته ، والقلم الذي هو مفتاح الأقاليم ، والطريق الذي كلّ فيه ضل ولو أنه عبد الحميد أو عبد الرحيم « 3 » ، والكتابة التي تشرق بأنوار المعاني ، فكأنها الليلة المقمرة ، واليد التي إن لم تكن الأقلام فيها مورقة فإنها مثمرة ؛ ومولانا أوتي ملك البيان ، واجتمع له طاعة القلم واللسان ، وخطبت الأقلام بحمده على منابر الأنامل ، وأخذت له البيعة بالتقدم على كل فاضل ولو كان الفاضل « 4 » ، وأصبح محله الأسنى ، وأسماؤه فيها الحسنى ، وجاء من المحاسن بكل ما تزهى به الدول ، وأصبحت طريقته في هذا الفن كأنها ملة الإسلام في الملل ، وعرف الإشارة إلى حلب وما صنعت بها الأيام ، وما أشجى من ربعها الذي لم تبق فيه بشاشة تستام ، ووقوف مولانا على أطلالها ، وملاحظته الآثار التي أعرضت السعادة عنها بعد إقبالها ، وتفجعه في دمنها ، وتوجعه لتلك المحاسن التي أخذتها الأيام من مأمنها ، وإنه وجدها وقد حلت عراصها ، وزمت للنوى قلاصها ، وغربانها في رسومها ناعبة ، وأيدي البلاء والبلى بها لاعبة « 5 » : [ الطويل ]
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا * ولا نحن من فرط الأسى كيف نسأل
هامش
( 1 ) عجز بيت لعروة بن الورد ، في ديوانه 53 وثمار القلوب 1 / 196 تمامه : [ من الطويل ]ليبلغ عذرا أو يصيب رغيبة * ومبلغ نفس عذرها مثل منجح( 2 ) في الأصل : التي
( 3 ) عبد الحميد الكاتب ، وعبد الرحيم البيساني المعروف بالقاضي الفاضل .
( 4 ) يقصد القاضي الفاضل .
( 5 ) البيت للبحتري ، في ديوانه 3 / 1788 .