تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
فشكر الله موقفه في تلك الدمن ، ورقته التي قابل بها جفوة الزمن ، ورأى هذا العهد الذي تمسكت منه الآن بحسب ، ورعى له حق الدمع الذي جرى فقضى في الربع ما وجب ، ومن للملوك بوقفة في رسومها ، واسترواحة بنسيمها ، وسقياها بدمعه ، وتجديد العهد بمغناها الذي كان يراه بقلبه فأصبح وهو يراه بسمعه ، ولقد علم الله أن الأحلام ما مثلتها لعينه إلا تأرقت ، ولا ذكرتها النفس إلا تمزقت ، ولا تخيلتها فكرة فاستقرت على حال من القلق ، ولا جردتها الأماني لخياله إلا وراحت مطايا الدمع في السبق « 1 » : [ الطويل ]
ولا قلت إيه بعدها لمسامر * من الناس إلا قال قلبي : آها
على أنه قد أصبح من ظل مولانا في وطن ، وأنساه أنسه من خف ومن قطن ، وشرف بخدمته التي تعلي لمن أخدمها منارا ، واستفاد من الأيام التي أخذت منه درهما فأخذ عوضه دينارا ، وأصبح لي عن كل شغل بها شغل ، فاسأل فؤادي عني ، وما ذكرت حبيبا إلا كنت الذي أعني : [ الطويل ]
وإن نظرت عيني سواك تلثمت * حياء بأردان الدماء مع الدمع
ولو أني استطعت خفضت طرفي ، ولو وصفت ما عسى أن أصفه من الشوق لكان الأمر فوق وصفي : [ الطويل ]
وإني في داري وأهلي كأنني * لبعدك لا دار لدي ولا أهل
وعرف المملوك الإشارة إلى هذه السفرة ومتاعبها ، والطرق ومصاعبها ، والثلوج التي « 2 » شابت منها مفارق الجبال ، والمفاوز التي يتهيب السرى فيها طيف الخيال ، والمرجو من الله تعالى أن تكون العقبى مأمونة ، والسلامة فيها
هامش
( 1 ) البيت لياقوت المستعصمي ، في شذرات الذهب 7 / 773 . ( 2 ) في الأصل : الذي .