تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
ما لاصقه على الأكثر ، وفي ضمن محاذاتها بالمجانيق ، تخللنا حولها الأرض طرقا وأسرابا ، وصيرناها إلى الخنادق أنفاقا وأبوابا ، وصبر جنود الله حتى وصلوا بالحجارة إلى جدارها ، فجاذبوا أذيال بنائها الشامخ ، وحلوا عقد أساسها الراسخ ، فتعلقوا بأبراجهم تعلق قرار لا لانتصار ، ولاذوا بمعاقلهم لياذ رعب لا توهم اقتدار ، وأذعنوا بلسان الاستعطاف فأجبناهم على أن يبقوا تحت أيدينا أسارى ، وأغمدنا عنهم السيوف إلا من سبق في قتله السيف العذل ، وأتاه الموت قبل تحقيق الأمان على عجل ، وقد فتح الله على المسلمين حصنا كان عليهم وبالا ، وحل عنهم من معقله عقالا ، وخفف عن أعناق محاذيه من سوء جيرته أعباء ثقالا ، ثم أمرنا بهدمها حتى عاد ما كان يرى منها شاهقا للعيان لا يكاد يدرك باللمس ، وأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس . ومنه قوله : فنصبنا عليها من المجانيق كل صائب سهمه ، ثاقب نجمه ، محرق لشياطين الكفر رجمه ، يهد ويهدم ، ويردي ويردم ، ويوهي ويوهن ، ويسر بإردائه ويعلن ، لم تنصب عوامله على سور متصل إلا هدمته ، ولا مدت أسبابه على مبنى رفع واستغلق بابه إلا كسرته ، ولم يزل يرمي غاديتها بالقارعة ، ويصمي أسماعها بأحجاره الطائرة الواقعة ، وأقبلنا بالمجاهدين إليها ، فأحاطوا بها إحاطة الخاتم بخنصره ، والسوار بمعصمه ، وأمطرنا عليها بسحب القسي وبلا غرقهم بدافق أسهمه ، فتجلد أعداء الله وجلدوا ، وتعاقدوا على الموت وتعاهدوا ، وأرسلوا من جروخهم سهاما لا يردها رادّ عن الأجسام ، ولا يكسر عينها ما تصم ، الأعضاء من تظاهر الآلام ، وإذا شوهدت راعت الناظر ، فلم يدر أعمد هي أم سهام ؟ وشفعوها بضمّ أحجار صمّت لها أسماع الدرق ، وكسرت بها رؤوس البيض ،