تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
ليلعم أن قد كسر وطل دمه ، والخادم ينهي أن وراءه بلادا شاسعة ، ومدنا واسعة ، وهو بعيد الأيام ، ولا يمكنه طول المقام . قلت : وسلك هذا النّسائي مع سلطانه مهمها يعزف الجن في بيدائه ، وتضيع الريح في أرجائه ، في يوم تتململ أفاعيه في رمضائه ، وتسجن وحشة في فضائه ، يذوب به حصا الآكام ، ويلفح الوجوه أشواظ الضرام ، وقد صرّ الجندب ، وصكّ وجه الغدير الطحلب ، وصح أن الصدى قد قام يبلغ والحرباء تخطب ، ولا ورد إلا راكد الشراب ، أو مورد كأنه هجر الأحباب ، كأنما صب على وجهه الزيت الذائب ، أو ذرّ الكبريت للشارب ، لا يهنأ برده ، ولا يسوغ ورده ، فقال له سلطانه : صف ما نحن فيه ، فقال على البديهة : [ الرجز ]
قذفت بالعبّس وجه المهمة * رميت منه مشبها بمشبه
والشمس قد أذكت ضرام نارها * لكنه في موقد من أوجه
والقفر خاف لا يبين طرفه * واضحها للعين كالمشتبه
وجندب الأرض بها مبلغ * وخاطب الحرباء كالمبتده
والورد لو يشرب عصفور به * على فسيح غدره لم يروه
مقتّر مقدر مكدر * تقصر عنه صفة المشبه
فاستحسن أبياته ، وأجازه عليها بلدا بعمله . وسايره وقد لمع برق فائتلق ، كأنه غرة في أدهم أو أبلق ، أو سلاسل من ذهب وما لها حلق ، لا يني غمامه ينهمر انهمارا ، ويلد إثر القطار قطارا ، وهو يجلو الظلماء بضوء جبينه الشرق ، ويمتد من أرجائه ذهب ثم يتحدر من حافاته ورق ؛ فأمره أن يقول فيه ، فقال : [ الرجز ]
أنعت برقا في الدجى يأتلق * كأنه في جلدتيه بلق
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 317 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام