تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
الحكيم ، فأخبروا عن النجوم في سعودها ونحوسها ، بما لم تخبره من نفوسها ، وقضوا في ترتيب أبراجها ، واختلاف مزاجها ، وحكموا على حوادث العمر من حال وجوده إلى عدمه ، في سعادته وشقائه وصحته وسقمه ، وأشباه ذلك من الزخارف ، التي نصبوها حبائل للاكتساب على غير ذوي الألباب ، وكلها أضغاث أحلام ، وأوضاع لا تخرج عن خط الأقلام . ومنه قوله : ولم أبك إلا عصر الشباب الذي هو في الأعمار بمنزلة الربيع من الأعوام ، وما كنت أعرف كنه أمره حتى مضى ، فرحلت معه الحياة بسلام « 1 » ، فالأيام فيه غوافل ، والسنون لقرب عهدها مراحل ، ولم أقض وطرا إلا خلفت أندى منه مرتعا ، وأحسن مرأى ومسمعا ؛ أيام لا أعاقر خمرة إلا لمى ، ولا وردة إلا خدا ، ولا نقلا إلا فما ، ولكأني ما كنت « 2 » قمرا حلف إلا بالقدود وهيفها ، والجفون ووطفها ، وليالي الذوائب وسدفها ، ووجوه الأقمار التي لا تشاب بكلفها ، ولا يرى في غرر الشهور ولا منتصفها ؛ فأصبحت قد بدلت غريب الأحوال بأليفها ، وعوضت من نضرة الأوراق بيبس خريفها ، فولى الصبا الآن بسلام ، ولوعة ينبي بها الدمع السجام . ومنه قوله فيمن قصر : ولتقر تفاح الخدود ، فلست من تقبيله غرا ، ولا من عضه ، اللهم غفرا ، وقد ينطق المرء بما يكون فيه لسانه آثما وفعاله برا ، ولولا حكم الفصاحة لما ذكرت بانة ولا علم ، ولا وقف المتغزل بأقواله موقف التهم .
هامش
( 1 ) من قول منصور النمري : [ ديوانه 96 ]ما كنت أوفي شبابي كنه غرته * حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع( 2 ) في الأصل : ولكانا ليت ! .