تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
ضرائها ، وتجنب نقعها من ورائها ، وقد فرطت أجيادها بأعنّتها ، وطاولت هواديها بأسنتها ، فغدت حينئذ نجزة من الخيل ، تدرك ما كانت له طالبة ، وتفوت ما كانت منه هاربة ، لا تمل من موالاة الدروب ، وهي عند النزول كمثلها عند الركوب ؛ فلما استويت على ظهرها ، عقدت مع الريح عقد الرهان ، وعرضت عليها حكم الشقراء والميدان ، ثم قلت : إن استشعرت مسابقتي ، فقد جئت شيئا فريا ؛ وتلوت قوله تعالى :
وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
« 1 » وما كان إلا هنيهة حتى حال الركب للرواح عند الإظهار ، واستسلفت المدى بالتقريب قبل الإحضار ، وجئت القران فلقيته منها بصدر يطارد الأمواج مطاردة الفجاج ، وعين لا يروعها هبوات الماء كما لا يروعها هبوات العجاج ؛ فتلك فرسي التي أعدّها لكل مخوفة ، وهي حوت في كل معبر ، وظليم في كل تنوفة . ومنه قوله في الناقة والفرس : سرت وتحتي بنت قفرة ، لا تذهب السرى بجماحها ، ولا تستزيد الحادي من مراحها ، فهي طموح بإثناء الزمام ، وإذا سارت بين الآكام قيل : هذه أكمة من الآكام ، ولم تسم جسرة إلا أنها تقطع عرض الفلا كما يقطع الجسر عرض الماء ، ولا سميت حرفا إلا أنها جاءت لمعنى في العزائم لا لمعنى في الأفعال والأسماء ، وخلفها جنيب من الخيل ، يقبل بجذع ، ويدبر بصخرة ، وينظر من عين جحظة ، ويسمع بأذن جسرة ، ويجري مع الريح الزعزع ، فيذرها وقد ظهر فيها أثر الفترة ، وما قيد خلفها إلا وهو يهتدي بها في المسالك المضلة ، ويطأ على آثارها فيرقم وجوه البدور بأشكال الأهلة ؛ هذا والليل قد ألقى جوانبه فلم يبرح ، والكواكب
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 32 .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 286 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام