تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
العفو عن المذنب عقوبة لعرضه ، وإن نجا بسلامة نفسه ، وخيانته هي التي تلبسه من غضاضتها ما لم يبلغه العقاب بلبسه ؛ وقد قيل : إنّ الرّفق بالجاني عقاب ، والإحسان إليه متاب ؛ ولا شكّ أنّ بسطة القدرة تذهب بالحفيظة ، وتزيل وجد الصّدور المغيظة ، وشيم المولى تحبّ أن يكون رضاها شفيعا إلى غضبها ، وإن نبضت منه بادرة سهم ، ردتها شيمة التغمد على عقبها ، فلا شافع إليها إلا وسيلة كرمها ، ولا ذمة عندها إلا الاستذمام بحرمها . ومنه قوله : إذا ادعت له الأوصاف رتبة فضل ، شهد شاهد من أهلها ، وكفته وراثتها عن آبائه أن يشارك البعداء في فضلها ، وأحق الناس بالمعالي من كان فيها عريقا ، ولا يكون المرء خليقا بها إلا إذا كان أبوه بها خليقا ، وإذا زكت أصول الشجر زكت فروعه ، ولا يعذب مذاق الماء إلا إذا طاب ينبوعه . ومنه قوله : وأكرم بيديه التي تسمح بدية القتيل ، ويرى الكثير من عطائها بعين القليل ، وما كل من شاء استمرت يده بالسماح ، وقد تحجم عنه من تقدم على مكروه الصفاح ، على أنه قد قيل : إن بين التسميتين إخاء ، فالسخاء يكون نجدة ، والنجدة تكون سخاء ؛ ومصداق هذا القول اجتماعهما لليد الكريمة التي ألفت إنجاح الوعد وإنجاح الوعيد ، وضمنت أرزاق الناس وأرزاق الحديد ، وقالت في الندى : هل من صاد في الوغى : هل من مزيد ؛ فالساري إلى أبوابها لا يصل إليه في نهج السرى ، وهو مهتد منها على قبس القراع أو قبس القرى .