تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
واستطالة سيله برد بردى في نقع الغليل ؟ وما لذاك الكثير طلاوة هذا القليل ، وسيل هذا السلسبيل ؛ وإذا فاخرنا بالجامع وقبّة النسر « 1 » ، ظهر عند ذلك قصر القصر ، على أن باب الفراديس « 2 » بالحقيقة باب النّصر ، وما رأس الطابية كباب الجابية « 3 » ، ولو كان لناسها بأناس « 4 » لم يحتاجوا إلى قياس المقياس ؛ ونحن لا نجفو الوطن كما جفاه ، ولا نأبى فضله كما أباه ، وحبّ الوطن من الإيمان ، ومع هذا فلا ننكر أن مصر إقليم عظيم الشّأن ، وأن مغلّها كثير ، وماؤها غزير ، وأنّ عدّها نمير ، وأن ساكنها ملك أو أمير ، وأن الذهب فيها لا يوزن بالمثاقيل ولكن بالقناطير ؛ ولكن نقول كما قال المجلس السّامي الفاضلي ، أسماه اللّه : إن دمشق تصلح أن تكون بستانا لمصر ، ولا شكّ أن أحسن ما في البلاد البستان ؛ وهل دمشق إلّا مثل الجنان ؟ وزين الدين « 5 » وفقه اللّه تعرض للشّام فلم يرض أن يكون المساوي حتّى شرع وعدّ المساوي ! ولعلّه يرجع إلى الحقّ ، ويعيد سعد إسعاد وفاقه إلى الأحق . ومنه : ولو واصل خدمه بمقتضى مخالصته ، لما وفى في جميع عمره ، ببعض ما يجب عليه من حقّ المجلس وشكره ، لكنّه يهاب الفضل العزيز فيتجنّب ، ويستصغر قدره عند قدرة المعظم فيتأدب ، ومن يقدم على مقابلة الشمس بسراجه ؟ والعذب بأجاجه ؟ والدّرّ بزجاجه ؟ وأيّ قدر للقطرة عند البحر الخضم ؟
هامش
( 1 ) الجامع : هو الجامع الأموي الكبير بدمشق ، وقبة النسر : هي القبة التي تعلو الجامع . ( 2 ) باب الفراديس : من أبواب دمشق القديمة ، ولا يزال معروفا بهذا الاسم ، ويقع في حيّ العمارة . ( 3 ) باب الجابية : من أبواب دمشق القديمة ، ولا يزال معروفا بهذا الاسم . ( 4 ) بأناس : من أنهار دمشق . ( معجم البلدان 1 / 330 ) . ( 5 ) هو زين الدين الواعظ ، علي بن نجا ، من أهل دمشق ، ومن ساكني مصر ؛ كان ذا لهجة في الوعظ فصيحة ، وكان مقربا من السلطان صلاح الدين ، فكتب إليه كتابا يشوقه إلى مصر ، فكتب له العماد هذه الرسالة جوابا عن السلطان . ( الروضتين 3 / 214 ) .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 258 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام