تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
الفاضل حتّى أتته رسل السّلطان في طلبه ، فلمّا أتاه شكا إليه العماد ، وقال له : اكتب جواب هذا الكتاب ؛ فقال : واللّه ما أعرف ما أكتب فيه ، لأن العماد كان يصدر هذه الكتب ، ولا يعرفه سواه ؛ ولم يزل يلطف الأمر حتّى قال : اطلبه ؛ فبعث في طلبه ، فلم يحضر ، واعتذر ، فعظّم الفاضل الأمر ، وكرر الرّسل في طلبه وهو لا يحضر ، فقال الفاضل : أنا أروح خلفه ، وأتلطّف به ، فو اللّه هذا باب ما يسدّه سواه ؛ ثم ذهب إليه ، فأطال المكث ، ثم عاد إلى السلطان وقال : لقد حرصت به فلم يجب ، ورأيته مقبلا على ما دخل فيه إقبالا ما أظنه بقي يخرج عنه ، وما ضر السلطان لو زار الفقراء ، وترضى عبده ؛ ولم يزل به حتّى أتاه وترضّاه . * ومن نثره قوله جوابا عن السّلطان في تفضيل دمشق « 1 » : عرفنا طيب الدّيار المصريّة ورقّة هوائها ، ونحن نسلّم إليها المسألة في طيبها وتوفير نصيبها ، ورقة نسيمها ورائق نسيبها ، لكن هلّا رأت أن الشام أفضل ، وأنّ أجر ساكنه أجزل ، وأنّ القلوب إلى قبله أميل ، وأن الزّلال البارد أعلّ وأنهل ، وأن الهواء في صيفه وشتائه أعدل ، وأن الزّهر به أشبّ ، والنبت به أكهل ، وأن الجمال فيه أكمل ، وأن القلب به أروح ، والرّوح به أقبل ؛ ودمشق عقليته الممشوطة وعقلته المنشوطة ، وحديقته الناضرة ، وحدقته الناظرة ، وهي عين إنسانه ، بل إنسان عينه ، وصيرفيّ نقوده ، وعين نضاره ولجينه ، فمستامها مستهام ، وما على محبّها ملام ، وما في رؤيتها ريبة ، وفي كلّ جيرة منها حبيبة ، ولكل شائب من نورها شبيبة ، ومع كلّ ورقة ورقاء ، وعلى كلّ معانقة من قدود البانات عنقاء ، وشادي بأنها على الأعواد يطري ويطرب ، وساجعاتها بالأوراق تعجم وتعرب ،
هامش
( 1 ) الروضتين 3 / 215 والزيادة منه .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 256 | أحمد بن يحيى العمري / بارود / بسام محمد / أحمد عبد القادر الشاذلي / عماد عبد السلام