تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
يا سيد أخيه ، لا تسمع الدّهر هذه الشكوى ، فيستعذبها فتستمر على العدوي ؛ ولو اشتغلنا بالله لكان يغنينا ، ولو قعدنا عن الرزق لأتانا لا يعنينا ؛ وفي الحديث « 1 » : « اتّقوا اللّه وأجملوا في الطّلب » ولا ندري كيف يكون المنقلب ؛ فباللّه إلّا ما سمعت وأخذت هذا الأدب . وله في هذا حكايات ، منها « 2 » : أن رجلا من أهل حمص جاءه بطبق كيزان ، وتفصيلة كتّان ، قيمة ذلك كله نحو خمسين درهما ، وسأل حاجة ، فأخذ قصته وقرأها على السّلطان ، وكان قد بلغه الخبر ، فلم يجبه ، فأعاد العماد عرض القصة وقراءتها مرات في مجالس عدة ، والسّلطان لا يأمر فيها ولا ينهي ؛ ففطن العماد وعلم أن الخبر قد اتصل بالسّلطان ، فأعاد عرض القصة ، فلما لم يجبه عنها ، قال : يا مولانا ، الطّبق الذي أحضره صاحب هذه القصة باق إلى الآن ، لم أتصرف فيه ، فإن كان ما ينقضي شغله أعدت إليه طبقه ؛ فضحك السّلطان ، وعجب من دناءة نفسه ، وأمر بقضاء شغل الرجل . وحكي « 3 » أنه كان شديد التّهافت على أخذ الختوم الذّهب الذي يجئ على كتب الفرنج ، فوصل منهم كتاب بغير حضوره ، ففتحه السلطان بيده وأخذ بعض الحاشية الختم ، فلما جاء العماد قيل له : اكتب جواب هذا الكتاب ، فقال : يكتب جوابه من أخذ الختم ؛ فعزّ قوله على السّلطان ، وقال له : ثم اخرج الوقت ، ما هو محتاج إليك ؛ فأتى العماد الفاضل ، وعرّفه بما كان ، فقال له : رح إلى الخانقاه ، واقعد بها مع الفقراء ، والبس زيّهم ؛ فإذا طلبك السّلطان قل : أنا قد دخلت في أمر لا أخرج منه ؛ ثم لا تخرج حتّى يأتيك السّلطان بنفسه مرضيا ؛ ثم لم يلبث
هامش
( 1 ) نقله المقريزي في المقفى 7 / 206 . ( 2 ) الحديث : أخرجه ابن ماجة 2 / 725 رقم 2144 . ( 3 ) المقفى 7 / 207 .