قد أزعج ؛ والله المسؤول في يقظة قلب وعين ، وصحبة تبيين قبل صيحة بين ؛ والله المشكور إذا عشي عن المجلس عيون الأيام ولواحظها ، وأفهمه إشارات الدّنيا ومواعظها ، فقد أبطل بعصاه سحرها ، وفضح بقلمه سرّها ، وانتضاها فقطع بها ولم تقطعه ، ولبسها فخلعها ولم تخلعه ، وانتظم أيامها في سلك أعوامه ، وغصب أهلها حتى أنوارها ، وألقى الجنا على قوامها لا على قوامه ، فلا زالت في عمر وريق الأفنان ، وثيق الأركان ، تتزوّد كلّ يوم فيما يتزود ، ويشتدّ ركنها ويتأيد ولا يتأوّد .
ومنه قوله رحمه الله : أدام الله أيام المجلس ، وأيده في كلّ مقام ومقال ، ووسع له كل مجال ومنال ، وأنفذ له كل رسم ومثال ، وحرس عهود سعوده من الانتقال والملال ، ولا زال مفيد الفوائد ، معروف العوارف ، منصور الأنصار ، ظليل الظّلال ، ورفع علمه ، وثبت قدمه ، ونصر سيفه وقلمه ، وكرم شيمه وهممه ، وعزز موارد جوده وديمه ، وأعدى بها كلّ وليّ على الدّهر إذا ظلمه .
ورد كتاب مولانا الذي هو مولى الكتب وسيدّها وأوحدها ، ومورده على القلوب منهلها العذب وموردها ، وفيه من الإنعام مالا سبيل إلى شكره ، بل إلى شكره ، بلسان ذكره ، وما لا يقوم الخادم بواجب حقّ بشره إلى يوم نشره ؛ وكان وصول الكتاب الكريم ، والخادم على قلق لتأخّر الكتب وإبطائها ، وشذوذ التّرسّل وتواني خواطر استدعائها ، وقد قابل تأخّر الكتب المظفرية تأخّر الكتب الناصرية ، وتعاونت الشّواغل على الخواطر ، وتواحى طيف خيال السّكون من جانبيهما لجفوة ناظر المشفق الساهر ، ولا جرم أن وصولهما صبّحت به بكرة يوم لا يومين ، فكأنما كانا على ميعاد ، وطرقت الليلة بتوأمين بكتابيهما ، فسقيا لليلة هذا الميلاد .
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 208
مساهمون: أحمد بن يحيى العمري
ص٢٠٨