تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وسيّره ، واستخدم فيه ناظره ونظره ؛ وما يعدّ المملوك ما وصل إلّا موهبة صرفها إليه ، ونعمة أسبغها عليه ، ومنّة تقلّدها وقلد بها المنن ، وصنيعة استرقّته وإن كان قد سلف استرقاقه بأوّل ثمن ، فإنّه وفي بذقّة ، لسانه ، وبيّض وجه ضمانه ، وكلّ من وصل إليه شيء من هذا البرّ شكر المولى فأكثر ، وفرح بأنّ غرس الرّجاء قد أثمر ، ورأى من وجوه رسله أهلة ، وظنّ الإحسان عيد صيام الانتظار ، فقال : الله أكبر ، وتشيع سيبهم عند فيض سنيّ عطائه فتوالى فغفر ؛ وبالمعروف ، فلولاه لكان قد درست أعلامه ، بل لولاه [ لم ] يعرفه ، [ و ] لكان قد سلبت ألفه ولامه ؛ وإنّ غيثا يصبح من مصر بحمص لقد أبعد مرماه ، وكرم منتماه ، وسما مسمّاه ، وسرى طيف الخيال ، ولكن إلى من لم ينم ، وجرى مجرى النسيم إلا أنه ينفخ الأرواح في النسم ؛ وللمملوك سبح طويل في الحمد ، ولا بد أن يدخر منه ما يستأنفه عند تكملة الإنعام ، على أن يشرع في الشكر عند كل مسألة ، ثقة بما وراءه من الاهتمام ؛ فأما العافية الشاملة لأهل الإقليم ، فكيف لا تشملهم وسيف المولى الطبيب ، ومهابته دون محبوب الأعداء منهم والرقيب ؟ وكيف لا يأمن الغاب وهو مسبع ؟ وكيف لا يتوقّى وهو مشرع ؟ لا عدموا هذا الظل فإنه كثيف ، وهذا الطبع فإنه شريف ، وتلك الحماية فإنها الأمان ، وتلك الولاية فإنها زمان لا يرجى مثله من الزمان . ومنه قوله من كتاب إلى الملك المظفّر تقيّ الدّين « 1 » : أصدر المملوك هذا الخدمة من ظاهر حماة ، وهو ينظر إليها نظر المحبّ إلى الحبيب ، ويتذكر منها أيام الخدمة التي هي وطنه ، ولو نأى عنها - وهي في
هامش
( 1 ) الملك المظفر تقي الدين : عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي ، صاحب حماة وأبو أصحابها ؛ كان بطلا شجاعا مقداما ، جوادا ممدحا ، عالي الهمة ؛ تملك حماة بإذن عمّه صلح الدين ، وتوفي شابا وهو يحاصر مناز كرد سنة 587 ه . ( وفيات الأعيان 3 / 456 وسير أعلام النبلاء 21 / 202 وشفاء القلوب 234 ) .