تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
عطاء ، يسرّها في القيامة ، وتحوز به أفضل أنواع الكرامة ؛ فأما شوقه لعبده ، فالمولى أبقاه اللّه قد أوتي فصاحة لسان ، وسحب ذيل العيّ على سحبان ، ولو أنّ للخادم لسان موات ، وقلبا « 1 » يقال له : هيهات ؛ لقال ما عنده ، وادّكر عهده ووده ، وباح بأشواقه ، وأذاع الرمز عند اعتناقه . وأما تفضّله بكذا ، فالخادم لا يقوم بشكره ، ولا يبطله حقّ قدره ، وقد أحال مكافأة المجلس على مليّ قادر ، ومسرّة خاطره عليه يوم تبلى السرائر ؛ واللّه تعالى يصله برزق سنيّ يملأ إناه ، ويوضح له هداه ، ولا يخلي المجلس من جميل عوائده ، ويمنحه أفضل وأجزل فوائده ، إن شاء اللّه تعالى . ومنه قوله « 2 » : وفي الحال أطافت المقاتلة من جميع أقطاره ، ولبّوا تلبية الحجيج ، وكلّ من جمرة سهمه كرامي جماره ، وعبرت الآجال المسماة سهاما على قناطر القسيّ المحنية ، وقدحت زنودها البيض شرار جمر المنية ، فصارت الأبرجة مستلئمة بسلاحها ، أو كأنها بكثرة ريش السهام طائرة بجناحها ، أو كأنها صدور أظهرت حسك الضغائن ، أو كأنها لازدحام السّهام بها كنائن ؛ إلى أن سرى داء النّقوب إلى المقاتل ، ودبّ سكرها بين المفاصل ، ورتب الجدران قائمة ، والبلاء سائر في أعقابها ، متجلدة والنار تحت بنائها ، غرّارة بألحاظها ، والقبح حشو نقابها ؛ فلمّا كان وقت الظّهر
ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ
« 3 » ، ووقعت القلعة ،
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
« 4 » ، وتحصّنوا من نيران القضب بنيران الحطب ، وقطعوا
هامش
( 1 ) في الأصل : وقلب ! . ( 2 ) النص في الروضتين 3 / 42 - 43 وقد كتبه القاضي الفاضل بعد فتح حصن بيت الأحزان بفلسلطين . ( 3 ) سورة التوبة : 48 . ( 4 ) سورة الأعراف : 118 .