تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
بين المسلمين وبينهم بطوفان نار كانت القلعة سفينة إلا أنها لا سفينة نجاة بل سفينة عطب ، والفرنج الملاعين من وردها عاجلا وإن منهم إلا واردها ، وأقحم نفسه فيها فأحاطت بعنقه مقاودها ، وبات الناس مطيفين بالحصن والنّار بهم مطيفة وعليه مشتملة ، وعذبات ألسنتها « 1 » على وجهه منسدلة ، ومن خلفه مسبلة ، ولفحاتها جهنمية
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
« 2 » ؛ والبلاء ؛ ينادي طبرية بلسان مصابها : إيّاك أعني واسمعي يا جارة « 3 » ؛ فولجت النّار موالج تضيق عنها الفكر ، وتعجز عنها الإبر ، وقال الكفر : إنها لإحدى الكبر ، وخولف المثل في أنّ السعادة لتلحظ الحجر « 4 » ، وأغنى ضوء نهاره أن يسأل معه هذا وذا ما الخبر ، إلى أن بدا الصّباح وكأنه أمتار منها الأنوار ، وانشق الشرق وكأنه من عصفرها صبغ الإزار ، فيحنئذ تقدم الخادم فأقلع بيده الأحجار من أسها ، ومحا حروف البنيان من طرسها ، وأدار فيها كأس المنون دهاقا ، وحلّ الرؤوس ضربا ، وشدّ الأعناق وثاقا . ومنه قوله : حوشي مجلس سيدنا ، ولا زال من كل مكروه محاشى ، ودامت الصحة تنشر له علما وتطوي فراشا ، وجعل اللّه ليل الدّنيا بأمنه لباسا ونهارها معاشا ، من مرض يمسّه ، ومن ألم يحسّه ومن أن يتكدّر من العافية أنسه ، وحرس اللّه نفسه على الإسلام ، فإنه نفسه .
هامش
( 1 ) في الأصل : سنها ! . ( 2 ) سورة البقرة : 24 والتحريم : 6 ( 3 ) المثل في : جمهرة الأمثال 1 / 29 ومجمع الأمثال 1 / 49 والمستقصى 1 / 450 ؛ وهو لسيار بن مالك الفزاري ، قاله لأخت حارثة بن لأم الطائي . ( 4 ) المثل : لم يرد في كتب الأمثال .