تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وكتب عهده بالخطّ الفاضليّ ، ولقب الملك النّاصر ، وكتب عليه العاضد بخطّه « 1 » : هذا عهد أمير المؤمنين إليك ، وحجته عند الله عليك ، فأوف بعهدك ويمينك ، وخذ كتاب أمير المؤمنين ناهضا بيمينك ، ولمن قضى بجدّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن أسوة ، ولمن بقي بتقلبنا أعظم سلوة ،
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
« 2 » . ثم كان الفاضل رحمه الله ، هو الدولة الصّلاحية ؛ كان كاتبها ، ووزيرها ، وصاحبها ، ومشيرها ، والحامل لكلّها ، والحاكم في كلّها ، والمجمرّ لبعوثها ، والمتزر عند إقعاء ليوثها ، والدائرة به مناطق بنيها ، والسّائرة به شموس أيامها وبدور لياليها ؛ فلهذا أذعنت لقلمه الرّماح ، وطلبت صلح كلمه الصّفاح ، وانقضت تلك الأيام وما فيها إلا بكر عشايا أو غرر صباح ، ومع هذا كله كان لا يزال منكدا مبتلى ، بضنى « 3 » قلبه وجسمه ، ومرض همه وسقمه ؛ يذكر هذا في كتبه وترسّلاته ، وشكواه إلى إخوانه وأخدانه ، ومما كتب في ذلك : ولا يسأل سيدنا عن خاطر تزدحم فيه الأخطار ، وعن ضلوع تسرح على النّار ، وقلت : قد عدم الصّفاء في دار الأكدار ، وجسم قد قارب أن يخلع المعار من الأعمار ؛ ولقد دبّ الفناء فيّ عضوا عضوا ، وأخذني الزمان جزءا جزءا ، فكلّ يوم يذهب مني شيىء بعد شيء ، ويكثر شبهي بالميت فيبعد عن الحي ، ونعوذ بالله من نار غضبه ، فإن آخر المخالط الكيّ .
هامش
( 1 ) الروضتين 2 / 74 وصبح الأعشى 9 / 407 . ( 2 ) سورة القصص : 83 . ( 3 ) في الأصل : وضني . . .