تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
بطول بقائه أمير المؤمنين ، وأدام قدرته ، وأعلى كلمته ، أمر وزارته ، وناط به أمانة سفارته ، وأطلق يده بسيف الجهاد ، وقلم الاجتهاد ، وتدبير ما تحويه المملكة الفاطميّة من البلاد ، وكفّله أمر خدمته التي استحقها بارتياد الرشاد ، ورأى أن يكبت عدوّ الدين باصطفائه ، ويكف عادية الشرك باستكفائه ؛ واختار لتقدّمه عساكره ، من اخترته أيّها الملك العادل لتقدّمه عساكرك ، واستهدى منك هذه الجوهرة المعدومة من جواهرك ، واستنزلك عن هذه الذّخيرة المصونة من ذخائرك ، وآثر أن تؤثر به دولته التي تعدّ نصرتها من مآثرك ؛ ولثقة أمير المؤمنين أنك تسمح له بكرائم لا يجود بها إلا من كان كريما ، وتقسم بينك وبينه النجدة التي دعي بها والدك الشهيد رحمة الله عليه للدولة قسيما « 1 » ، أمضى هذا الرأي لمّا وضح صوابه ، وانتهز فرصة هذا التوفيق لما فتح بابه ، ورآه القويّ الأمين فاستأجره للإسلام وأهله ، ومدّ عليهم ما كانت أعينهم ممدودة إليه من ظل عدله ؛ ولما تمسك به المسلمون ، لم يغلّ منه أيديهم المشدودة عليه ؛ ولما اغتبط به أهل الدين ، لم يصرفهم عمّا هداهم الحظّ إليه ، وأمره أن يعدّ لحرب الفرنج عدّته ، ويأخذ لغزوهم أهبته ، ويطلبهم برا وبحرا ، ويوسع لقتالهم درعا وصدرا ، ويديل الإسلام من هدنة تظلّم منها إلى الله سرا وجهرا ؛ وحرت « 2 » وأمير المؤمنين يراها مصابا يحتسب فيه عند الله جزاء ، وعهد إليه أن يعمّر الأساطيل التي تقطع عن العدّ والإمداد ، ويعمر سجون الدولة بالكافرين مقرّنين في الأصفاد ، وأن يسكن المدن التي جنى عليها التدبير العاجز ، ويثقل المعاقل التي كانت خالية المراكز ؛ لتكون أيّها الملك العادل من وراء هذا العدو الكافر مستأصلا ، ويكون وزير أمير المؤمنين للغارات عليه والغزوات إليه مواصلا ، فيقطع في الشرك سيف الله
هامش
( 1 ) كان عماد الدين زنكي والد السلطان نور الدين يلقب قسيم الدولة . ( 2 ) كذا في الأصل ، وأراها زائدة .