تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
أخرجني إلى ما رأيت ، فسرّي عني ، وقلت : بل يقتل جعفر ويحيا أمير المؤمنين أبدا وقبّلت الأرض وقلت : الله الله يا أمير المؤمنين ارحمها فأمر بردّها ، فقال لبعض الخدم الوقوف من يجيء بها ، فلم يكن بأسرع من أن أقبلت وفي يدها عودها ، وعليها غير الثياب التي كانت عليها ، فلما رآها جذبها إليه وعانقها ، فبكت وجعل يبكي ، واندفعت أنا في البكاء ، وقالت : ما ذنبي يا مولاي ، وبأي شيء استوجبت هذا ، فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي ، فقالت : سألتك الله يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي السّاعة وأرحتني من الفكر في هذا ، وأرحت نفسك من الهم ، وجعلت تبكي ويبكي ، ثم مسحا أعينهما ، ورجعت إلى الغناء ، وأومأ إلى خدم فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق « 1 » ، ورزما فيها ثياب كثيرة ، وجاء خادم بدرج ففتحه فأخرج منه عقدا ما رأيت مثله قط فألبسها إيّاه ، وأحضرت بدرة « 2 » فيها عشرة آلاف درهم فوضعت بين يديّ ، وخمسة تخوت « 3 » ثياب ، وعدنا إلى أمرنا ، وإلى أحسن ما كنا فيه ، فلم نزل كذلك إلى الليل ، ثم تفرقنا . وضرب الدهر من ضربه ، وتقلد المتوكل الخلافة ، فوالله إني لفي منزلي في غير يوم نوبتي ، إذ هجم عليّ رسل الخليفة ، فما أمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدار ، فأدخلت والله الحجرة بعينها ، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق بعينه ، وعلى ذلك السرير ، وإلى جانبه فريدة ، فلما رآني قال : ويحك ما ترى ما نحن فيه من هذه ! أنا من غدوة أطلبها أن تغني فتأبى ذلك ، فقلت : سبحان الله ، تخالفين سيدك وسيد البشر ، بحياته غني ، فضربت والله العظيم واندفعت
هامش
( 1 ) العين : ما ضرب نقدا من الدنانير ، والورق : الفضة ، مضروبة كانت أو غير مضروبة . ( 2 ) البدرة : كيس فيه مقدار من المال يتعامل به ، ويقدم في العطايا ، ويختلف باختلاف العهود . ( 3 ) التخوت : جمع تخت ، وعاء تصان فيه الثياب .